تعيد الاستثمارات الضخمة والاتفاقيات طويلة الأمد بين قطر والولايات المتحدة صياغة مشهد اقتصادي عابر للحدود، مع تركيز واضح على الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد.
ويبرز الحوار الاستراتيجي السابع بين البلدين بوصفه محطة مفصلية تعكس انتقال الشراكة من تبادل تجاري تقليدي إلى منظومة اقتصادية مترابطة، تستند إلى عقود بمئات المليارات، وتؤثر مباشرة في أسواق العمل والصناعة والابتكار على المستوى الدولي، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحولات حادة في أنماط الاستثمار وتدفقات رأس المال.
اتفاقيات بمليارات الدولارات تعمّق الارتباط الصناعي
أكد بيان مشترك صدر عن حكومتي قطر والولايات المتحدة، أن الشراكة الاقتصادية بين البلدين واصلت التوسع، مدفوعة باتفاقيات تتجاوز قيمتها 240 مليار دولار، جرى تأمينها خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الدوحة في مايو الماضي.
وأشار البيان إلى أن هذه الاتفاقيات تعكس توافقاً في المصالح الاقتصادية، خاصة في دعم وفرة الطاقة عالمياً واستقرار أسواقها، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والصناعة.
وسلط البيان الضوء على صفقة بقيمة 96 مليار دولار بين الخطوط الجوية القطرية وشركة بوينغ، لشراء ما يصل إلى 210 طائرات من طرازي 787 دريملاينر و777X، مزودة بمحركات من GE Aerospace. وبيّن أن هذه الصفقة تدعم أكثر من 154 ألف وظيفة سنوياً داخل الولايات المتحدة، مع أثر تراكمي يتجاوز مليون وظيفة خلال السنوات المقبلة.
واعتُبرت الصفقة مثالاً على الترابط العميق بين قطاع الطيران العالمي وسلاسل التصنيع الأميركية، في مرحلة تشهد فيها الصناعة منافسة محتدمة وتحديات في التوريد.
وتناول البيان عرضاً بقيمة 97 مليار دولار قدمته قطر لشركة بارسونز الأميركية، لتنفيذ مشاريع تهدف إلى تعزيز الابتكار والبنية التحتية المتقدمة. وربط البيان هذه المشاريع بتأثيرات مباشرة على سوق العمل الأميركية، عبر توفير مئات الآلاف من فرص العمل ذات القيمة المضافة العالية، في مجالات الهندسة والتقنيات المتقدمة وإدارة المشاريع الكبرى.
الطاقة والتقنيات الناشئة في صلب الحوار الاستراتيجي
عُقد الحوار الاستراتيجي السابع بين قطر والولايات المتحدة في 17 ديسمبر الجاري في واشنطن، بمشاركة مسؤولين من الجانبين، حيث شكّل الاقتصاد محوراً أساسياً للنقاش.
وأكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن ال ثاني، خلال الحوار، أن بلاده تواصل العمل على بناء اقتصاد متنوع قائم على التكنولوجيا والابتكار والمعرفة، معتبراً أن الشراكة الاستثمارية مع الولايات المتحدة تمثل ركيزة محورية لهذا التوجه.
وقال إن الشراكة العميقة أسهمت في خلق مسارات جديدة للتعاون في الصناعات المتقدمة والطاقة، وربط الاستثمارات بالأولويات التنموية طويلة الأمد.
وسلط الجانب الأمريكي الضوء على الجهود الرامية إلى تبسيط الإجراءات التنظيمية وتحسين بيئة الأعمال، بما يعزز جاذبية السوق الأمريكية أمام الاستثمارات الأجنبية. وربطت واشنطن هذه الخطوات بقدرتها على استقطاب رؤوس أموال طويلة الأجل، خاصة في قطاعات التكنولوجيا النظيفة والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
وتضمن البيان الإشارة إلى عقد بقيمة 8.5 مليارات دولار بين قطر للطاقة وشركة ماكديرموت الأمريكية، لتطوير بنية تحتية حيوية في قطاع الطاقة. وربط البيان هذا العقد بالحاجة العالمية إلى استثمارات ضخمة تضمن أمن الإمدادات واستدامتها، في ظل تقلبات الأسواق والتحولات في مزيج الطاقة العالمي.
كما أشار البيان إلى استثمار بقيمة مليار دولار في مشروع شراكة مع شركة Quantinuum، وبالتعاون مع شركة الربان كابيتال، لدعم تطوير تقنيات الحوسبة الكمية المتقدمة. واعتُبر هذا الاستثمار مؤشراً على انتقال التعاون القطري الأمريكي إلى مجالات تكنولوجية ذات طابع استراتيجي، ترتبط مباشرة بمستقبل الأمن الرقمي والابتكار الصناعي.
التجارة الثنائية وتكامل سلاسل الإمداد
انعقدت الجلسة الاقتصادية ضمن فعاليات الحوار الاستراتيجي، حيث قال وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية القطري أحمد بن محمد السيد، إن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ خلال السنوات الخمس الماضية نحو 29.6 مليار دولار.
وأوضح أن هذا الرقم جاء مدعوماً بخطط استثمارية طويلة الأمد، عززت من استقرار العلاقات التجارية ووسعت قاعدة التعاون في قطاعات متعددة.
وأكد السيد أن الشراكة الاقتصادية عكست نقاط قوة تكاملية بين اقتصادي البلدين، تشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطيران والطاقة والبنية التحتية. وأضاف أن هذا التكامل يفتح آفاقاً واسعة لتوسيع التعاون خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات الرقمية العالمية والحاجة إلى سلاسل إمداد أكثر مرونة واعتماداً على الابتكار.
وأشار إلى أن الشراكة أسهمت في تهيئة بيئة داعمة للتعاون الصناعي والاستثماري، مع تطوير التكامل في سلاسل الإمداد الاستراتيجية والتقنيات المتقدمة، بما يدعم الاستثمارات طويلة الأجل ويعزز فرص النمو المستدام.
وربط هذه التطورات بقدرة الاقتصادين على تحسين تنافسيتهما إقليمياً ودولياً، في وقت تتزايد فيه المنافسة على جذب الاستثمارات النوعية.
وناقشت الجلسة عدداً من القضايا ذات الأولوية، شملت تعزيز تدفقات الاستثمار في الاتجاهين، وتوسيع التعاون في مجالات التقنيات الناشئة، وتطوير الأطر الرقمية والتنظيمية، وتحسين تيسير التجارة.
وجرى التركيز على فرص تعميق التعاون في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة والتجارة والخدمات الرقمية، إلى جانب بناء أنظمة تكنولوجية موثوقة ومواءمة الأطر التنظيمية وتطوير الكفاءات البشرية.
وفي ختام البيان المشترك، أكدت الدولتان أهمية استمرار الشراكة الاستراتيجية، والتزامهما بمواصلة التعاون في القضايا الاقتصادية ذات الاهتمام المشترك، مع الإعراب عن التطلع إلى عقد الجولة المقبلة من الحوار الاستراتيجي في الدوحة عام 2026.
ويعكس هذا التوجه، وفق مراقبين، انتقال العلاقة الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة أكثر عمقاً، تتجاوز الأرقام إلى إعادة تشكيل أنماط التعاون في الاقتصاد العالمي.
المصدر: القدس العربي



































