تتجاوز أهمية سوريا، لا سيما في مرحلة ما بعد منتصف عام 2025، مفهومها التقليدي كـ”ساحة صراع” لتصل إلى مفهوم أكثر استراتيجية في الجيوسياسية، “دولة المرتكز” (Pivot State). فلا تقاس قوة الدولة بقدرتها الذاتية الداخلية فحسب، بل بوزن موقعها الجغرافي، وكيفية تأثير أو تغيير تموضعها على استراتيجيات وسلوكيات القوى الكبرى المحيطة بها. اليوم، سوريا ليست مجرد بلد يتعامل مع إرث حرب طويل، بل باتت كـ”مفصل محوري” جيوسياسي يتقاطع عنده الأمن والاقتصاد والجغرافيا، بل قد تصبح قوة ضغط لإدارة التوازنات المتعددة بعد حزيران/يونيو 2025.
يقوم المرتكز الأمني للدولة على مفهوم السيادة بوصفها القدرة العليا على ممارسة الحكم داخل الحدود الوطنية “السيادة الداخلية”، وحماية البلاد من التدخل الخارجي “السيادة الخارجية”. وهو ما يضمن استقلالها وقدرتها على اتخاذ قراراتها الخاصة وتطبيق القوانين. ويقوم أيضا على مبادئ أساسية كـالسيادة الوطنية وسلامة الأراضي وعدم التدخل، ومع تطور المفهوم المعاصر للسيادة يشمل مسؤولية الحماية والأمن السيبراني وأمن المجتمع.
المرتكز الأمني.. السيادة كأساس لإدارة الدولة
في هذا السياق، يلفت الباحث السياسي، علي التيناوي، إلى أنه مع اقتراب انتهاء النصف الثاني من عام 2025، لم يعد من الممكن قراءة سوريا فقط من زاوية كونها ساحة لتقاطع النزاعات الإقليمية والدولية، بل بات من الضروري مقاربتها بوصفها كـ”دولة مرتكز” بالمعنى الجيوسياسي الدقيق للكلمة، فالدول المرتكزة لا تقاس بقدراتها الداخلية الصلبة بقدر ما تقاس بحساسية موقعها، وبمدى تأثير أي تغيير في وضعها على حسابات القوى الكبرى المحيطة بها.

وفي حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية” أوضح التيناوي، أن التحول الأهم يتمثل في انتقال سوريا من عبء جيوسياسي إلى عامل ترجيح، ومن ساحة صراع بالوكالة إلى مفصل لا يمكن تجاوزه في إعادة تشكيل توازنات ما بعد 2025، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو في معادلات شرق المتوسط. مشيرا إلى أنه خلال السنوات الماضية تعاملت القوى الإقليمية والدولية مع الملف السوري من زاوية إدارة الأزمة لا حلها، وكانت المقاربة السائدة تقوم على الاحتواء وضبط التصعيد ومنع الانهيار الكامل، دون السماح في الوقت نفسه باستعادة الدولة السورية سيادتها الكاملة.
وتعد الحالة السورية من أبرز التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المعاصر، فبعد انتصار الثورة وسقوط النظام الأسدي باتت الدولة السورية اليوم تواجه تحديات جمة لاستعادة سيادتها الكاملة، ما يضعها في معادلة مزدوجة: تثبيت الشرعية واستعادة وحدتها الإقليمية وجميع أراضيها، بما يشمل الأراضي التي طالتها السيطرة الإسرائيلية أو الحالة الفصائلية والخارجة عن القانون، وإعادة بناء علاقاتها الخارجية.
وقد أشارت مراكز الأبحاث، من بينها مركز “الجزيرة” للدراسات، إلى أن سقوط بشار الأسد أعاد لسوريا فرصة التموضع مجددا على المستوى الإقليمي والدولي بعد عقدين من الارتهان للمحور الإيراني-الروسي والانقطاع عن المحيط العربي والدولي.
كما يحمل تصريح السفيرة الأميركية دوروثي شيا في مجلس الأمن في 10 نيسان/أبريل 2025 في نيويورك، والذي أكدت فيه أن “استقرار سوريا وسيادتها أمران حاسمان لأمننا الجماعي”، دلالات استراتيجية وسياسية عميقة تتجاوز الشأن السوري الداخلي، وتعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن استقرار سوريا شرط أساسي لمنع تمدد الفوضى والصراعات إلى دول الجوار.
وتشكل سوريا اليوم واحدة من أعقد البيئات الجيوسياسية في العالم، حيث يتداخل الأمن الوطني مع الأمن الإقليمي والأمن الدولي، فكل تغيير داخلي في سوريا يقرأ من قبل دول الجوار بوصفه تهديدا محتملا، ما يدفعها لاتخاذ إجراءات أحادية تزيد من منسوب عدم الاستقرار.
وقد برزت هذه الإشكالية بوضوح في تصريح المبعوث الأميركي الخاص لسوريا توماس باراك في تموز/يوليو 2025، حين ربط التحولات السورية وأمنها بأمن لبنان والمنطقة بقوله: “والآن لديك سوريا التي تتجلى بسرعة كبيرة، لدرجة أنه إذا لم يتحرك لبنان، فسيصبح مرة أخرى بلاد الشام”، في إشارة واضحة إلى أن استقرار سوريا بات عنصرا مركزيا في معادلات الأمن الإقليمي.
من الدولة الأمنية إلى الأمن الشامل
تشير ورقة بحثية لمركز “عمران” للدراسات الاستراتيجية بعنوان “المعضلة الأمنية السورية.. خمس توصيات لصياغة استراتيجية أمنية جديدة” إلى أن صياغة نموذج أمني سوري جديد لا يمكن أن يتم بمعزل عن تعاون إقليمي، نظرا لتعدد التهديدات من التدخلات الخارجية، والصراعات الطائفية والإثنية، ومحاولات بعض الأطراف الخارجة عن القانون السيطرة على الموارد والطرق والمعابر الحدودية، إلى التدهور الاقتصادي، والفقر، والبطالة، والنزوح، واللجوء، والجريمة العابرة للحدود، وانتشار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة. وجميع هذه المهددات في حقيقتها مهددات إقليمية تتجاوز قدرة الدولة منفردة على معالجتها.

وكان نظام الأسد اعتمد نموذج “الدولة الأمنية النمطية” القائم على العسكرة والقمع وربط أمن الدولة بمصلحة الحاكم، ما أدى إلى تدمير الأمن الإنساني والاجتماعي، ودفع أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، وتراجع البلاد إلى المركز 97 عالميا من حيث جودة الحياة، والمركز 111 لتقدير الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وانحدارها إلى المركز 154 من حيث احترام حقوق الإنسان.
في المقابل، تفرض مرحلة ما بعد الأسد الحاجة إلى نموذج بديل يقوم على “الأمننة” بدل العسكرة، أي معالجة التهديدات عبر سياسات شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والاقتصاد والسياسة والبيئة بالإضافة إلى حقوق الإنسان، وفق ما رأته الورقة البحثية.
وأوضح التيناوي أن مرحلة ما بعد 2025 تفرض معادلة مختلفة، إذ لم يعد استمرار سوريا كفراغ أمني نسبي خيارا مريحا لأي من الفواعل الإقليمية والدولية، فالحدود والجماعات المسلحة وشبكات التهريب وممرات العبور غير المنضبطة تحولت إلى تهديدات عابرة للدول، لا يمكن ضبطها دون وجود دولة مركزية فاعلة.
وبيّن أنه من هنا تتجلى تحديدا صفة “المرتكز الأمني”، فاستقرار سوريا أو اضطرابها لا يؤثر فقط في الداخل، بل ينعكس مباشرة على أمن العراق ولبنان والأردن وتركيا وشرق المتوسط. وبالتالي، يصبح تعزيز مبدأ السيادة السورية، لا تقويضه، مصلحة مشتركة حتى لدى أطراف كانت تاريخيا متحفظة على ذلك.
والمفارقة أن “الضعف الموضعي” للدولة السورية، الناتج عن سنوات الاستنزاف، يتحول في هذه المرحلة إلى ورقة ضغط، فغياب الاستقرار الكامل ليس مجانيا، وأي قوة خارجية تحتاج إلى ضبط هذا الفراغ ستكون مضطرة للتفاوض مع دمشق لا تجاوزها، وفق تقدير الباحث السياسي.
الموقع الجغرافي كـ”رافعة نقدية”
تكمن قوة سوريا الجيوسياسية في موقعها الجغرافي الفريد حيث تتوسط قلب الشرق الأوسط، فهي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، وتتحكم بممرات تجارية واستراتيجية تاريخية كطريق الحرير القديم. وقد عبر وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس عن هذه الحقيقة بقوله إن سوريا “تشبه حاملة طائرات ثابتة على الشاطئ الآسيوي الأقرب إلى إفريقيا وأوروبا”، في توصيف دقيق لدورها الاستراتيجي.
وتتجلى أهميتها في تأثيرها المباشر على الأردن ودول الخليج العربي، وفي كونها البوابة العربية الوحيدة إلى لبنان، فضلا عن موقعها المؤثر في حوض شرق المتوسط، بما ينعكس على استقرار الدول الأوروبية الغربية. ولا يقتصر وزن موقعها على قربه من خطوط التجارة والطاقة الرئيسية، بل يبرز أهميته كـ”رافعة نقدية” في سياق تمويل التعافي، وليس مهما فقط الربط بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، بل إن دمشق يمكنها استخدام حساسيتها اللوجستية لاستقطاب الاستثمارات وتوجيهها نحو مشاريع إعادة الإعمار، ما يجعل دورها غير قابل للإهمال من قبل القوى الكبرى، سواء كانت تلك القوى تدعم مصالح اقتصادية أو تسعى لضبط النفوذ في الشرق الأوسط.
ومع سقوط نظام بشار الأسد دخلت البلاد مرحلة جديدة تعيد تشكيل خريطة القوى الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام تنافس مشاريع جيوسياسية متعددة.
وهذا تبلور في حديث الرئيس أحمد الشرع، خلال لقائه مع وجهاء وأعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث قال: إن “رفع العقوبات عن سوريا شكّل تحولًا مهمًا، موضحًا أن الانفتاح على الإقليم والعالم لم يعد خيارًا بل ضرورة، لأن العزلة تؤدي إلى الانكماش والتهميش. ودعا إلى الاستفادة من الإرث الإيجابي الماضي دون إنكار أخطائه، والانطلاق نحو نموذج دولة يُبنى بمشاركة الشعب”.
وأضاف الرئيس الشرع، أن سياسة سوريا اليوم تقوم على أساسيات واضحة: استقرار الوضع الداخلي أمنيًا، وتنمية اقتصادية. وهذان محوران نمضي فيهما، والأهم اليوم هو استثمار اللحظة والفرصة التاريخية لانتقال سوريا من حقبة إلى أخرى، وصولًا إلى نوع من الاستقرار والتطور، واللاذقية وطرطوس بيئة مناسبة جدًا للاستثمار، ونحن نتحدث بقوة عن الربط الإقليمي؛ لذلك أسرعنا في ملف استثمارات الموانئ، واخترنا شركات ذات انتشار عالمي واسع، حتى تصبح سوريا في المستقبل محطة أساسية للربط والنقل التجاري بين الشرق والغرب. وقد ناقشتُ هذه الفكرة مع دول أوروبية، ومع دول آسيوية، ومع الولايات المتحدة أيضًا، ومع دول إقليمية، والعالم كله يشجع هذا التصور.
وأشار الباحث السياسي إلى أن الجغرافيا السورية ليست مجرد معطى ثابت، بل عنصر ديناميكي في معادلة التعافي الاقتصادي، فسوريا تقع على تقاطع نادر يربط الخليج بتركيا، وشرق المتوسط بالعمق العربي، ويؤهلها لتكون ممرا أساسيا في أي مشروع جدي للربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، أو بين المشرق وإفريقيا. مضيفا أن بعد 2025، ومع تصاعد الحاجة الإقليمية إلى ممرات آمنة ومستقرة، تزداد القيمة الاقتصادية للموقع السوري، حيث تتحول الطرق البرية والمعابر والموانئ وخطوط النقل المحتملة إلى “رافعة نقدية” يمكن لدمشق توظيفها بذكاء.
ومن منظور جيوبوليتيكي، تمثل سوريا بموقعها الجغرافي عقدة جيوسياسية تاريخية باعتبارها جسرا بين القارات ومفتاح الصراعات، ما يجعلها نقطة ارتكاز للسيطرة على طرق التجارة والطاقة. وتشكل حدودها مع تركيا شمالا، والعراق شرقا، والأردن وفلسطين جنوبا، ولبنان والبحر المتوسط غربا، شبكة من النفوذ تتداخل فيها المصالح الدولية.
وقد شهد علم الجيوبوليتيك تطورات مفاهيمية ونظرية ملحوظة بعد الحرب الباردة، أبرزها صعود ما يعرف بالجيوبوليتيك النقدية أو البديلة، نتيجة التحولات الدولية الكبرى، وتأثير النقاشات الفلسفية والإيبيستيمولوجية بين الاتجاهات الوضعية وما بعد الوضعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ورغم تراجع أهمية الجيوبوليتيك الكلاسيكية، التي ارتكزت على حتمية الجغرافيا في رسم مصائر الأمم، وظهور أطروحات تحدثت عن “موت الجغرافيا” وانتهاء عصر الجيوبوليتيك، وبداية عصر تتحكم فيه الدول بقدرها بعيدا عن المحددات المكانية، إلا أن الواقع الدولي أثبت أن الجغرافيا والجيوبوليتيك الكلاسيكية لا تزال تحتفظ بقدرة تفسيرية عالية. فما زال العامل الجغرافي يشكل عنصرا أساسيا في تحليل سلوك الدول والعلاقات بين الأمم في القرن الحادي والعشرين، كما كان الحال في عصور سابقة، رغم العولمة والتطورات التكنولوجية المعقدة.
وبحسب التيناوي، فإن توظيف الموقع السوري لا يقوم على بيع الجغرافيا أو رهنها، بل على إدارتها، أي السماح بتدفق المشاريع والاستثمارات دون السماح لأي طرف خارجي باحتكار المفاتيح الاقتصادية. ويعد التنويع في الشراكات وفتح قنوات متعددة شرطا أساسيا يمنع تحول الإعمار إلى أداة ضغط سياسي جديدة. وفي هذا الإطار يصبح التمويل غير المشروط نسبيا، سواء من دول عربية أو من مشاريع لوجستية إقليمية، خيارا استراتيجيا. فكل مشروع يمر عبر سوريا يضيف قيمة للاقتصاد السوري، وفي الوقت نفسه يربط مصلحة الخارج باستقرار الداخل.
فمنذ تسلم الرئيس أحمد الشرع السلطة، وقبيل تسميته رئيسا، حدد 4 أولويات: ملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، واستعادة مكانة سوريا وعلاقاتها الدولية. واستحوذت الأولوية الرابعة على جل اهتمامه منذ اليوم التالي لسقوط نظام الأسد.
التموضع السوري والتوازن الإقليمي
التوازن الإقليمي لن يكون ثابتا في مرحلة ما بعد 2025 ما لم تستطع دمشق إدارة تنافسات متعددة الأطراف، وتجنب الانحياز الكامل لأي محور. فتموضع سوريا في العلاقات الإقليمية، سواء من خلال التحاور مع القوى العربية أو إعادة التفاوض مع القوى الدولية، يمكن أن يحدد شكل التوازن الجديد في المنطقة.
وأوضح التيناوي أن ما بعد 2025 يعيد دمشق إلى الواجهة بوصفها رقما صعبا في معادلة التوازن، لا عبر الانحياز الكامل لأي محور، بل من خلال إدارة التنافس ذاته، فموقعها يسمح لها بأن تكون نقطة توازن لا نقطة اصطفاف. فالانحياز الكامل لطرف واحد قد يمنح مكاسب آنية، لكنه يجرد سوريا من صفتها كدولة مرتكز، أما الحفاظ على مسافة محسوبة من الجميع فيمنحها قدرة تفاوضية أعلى، ويجعل استقرارها مصلحة مشتركة لا يمكن التفريط بها، وفقا للتيناوي.
وخلص الباحث إلى أن السياسة السورية بعد 2025 تتجه نحو سياسة “ضبط الإيقاع”، لا سياسة المواجهة ولا التبعية، عبر إدارة التناقضات بدل الدخول فيها، وتحويل التنافس الخارجي إلى عنصر حماية ذاتية لا إلى سبب جديد للصراع.
المصدر: الثورة السورية



































