لقد شهدت سوريا محطة تاريخية فارقة مع انتصار ثورتها الشعبية وسقوط النظام المخلوع، لتفتح بذلك صفحة جديدة في مسيرتها الوطنية، قوامها الحرية والعدالة والتنمية الشاملة، وقدّم الشعب السوري تضحيات عظيمة، من دماء الشهداء وصمود الأحرار ومعاناة النازحين، أرست قاعدة صلبة لانطلاق مشروع وطني جامع يؤسس لدولة حديثة تستجيب لتطلعات مواطنيها.
إن هذه المرحلة المفصلية تمثل انتقالاً بنيوياً يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الشرعية الشعبية، ويؤكد وحدة المجتمع حول مشروع التنمية والإعمار، وفي هذا السياق جاءت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لتعكس نضج الوعي السياسي وتعزز الثقة بالمسار الوطني، ولتؤكد أن الشرعية الشعبية تشكل الركيزة الأساسية في إعادة بناء الدولة، كما شكلت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأميركية مؤشراً إلى انفتاح دبلوماسي متوازن يسعى إلى توسيع مجالات التعاون الدولي، بما يخدم أولويات التنمية والإعمار، وفي موازاة ذلك يبرز نشاط الدبلوماسية السورية المتزايد في المحافل الإقليمية والدولية، بوصفه عاملاً إيجابياً في استعادة الحضور السوري الفاعل وتعزيز فرص الاستثمار والتنمية المستدامة.
لقد أُتيح للسوريين خلال العقود الماضية، موقع وإمكانات وموارد كان من الممكن أن تؤسس لتجربة تنموية رائدة، غير أن استبداد النظام المخلوع وفساده أضاعا فرصاً ثمينة، ومع انتصار الثورة وما أفرزته من شرعية شعبية ورؤية جديدة، تبرز اليوم فرصة تاريخية لتعويض ما فات، والانطلاق في مسار وطني يعلي من شأن الكفاءة والمشاركة والشفافية.
وفي هذا الإطار تتقدم الحكومة الجديدة برؤية واضحة وخطوات عملية تعطي ثقة بانتقال فعلي نحو نموذج دولة تنموية حديثة، وتبعث الاطمئنان، لأن مسارها القائم على الكفاءة والشفافية والمشاركة قادر على تحويل مرحلة ما بعد الثورة إلى انطلاقة تنموية شاملة، وتعتبر الحكومة أن إعادة الإعمار والتنمية الشاملة وجهان متكاملان لمشروع واحد، يهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية واستنهاض الاقتصاد مع الاستثمار في الإنسان، وهي رؤية تعبر عن إدراك استراتيجي لدروس الماضي، وتتبنى اقتصاد السوق الحر المنضبط، المنفتح على العالم من دون التخلي عن دور الدولة في حماية المصلحة الوطنية وضمان العدالة الاجتماعية، ويقوم هذا التوجه على ركائز الدولة التنموية الحديثة التي أثبتت التجارب المقارنة فاعليتها:
1- قيادة تنموية تجعل التنمية مصدراً للشرعية لا للهيمنة.
2- كفاءة إدارية مهنية تعتمد الجدارة لا الولاء.
3- عقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمشاركة والمساءلة.
4- شراكة مؤسسية مع القطاع الخاص قائمة على الشفافية والمنافسة العادلة ضمن إطار قانوني سليم.
إن مشروع الإعمار والتنمية الشاملة يتجاوز كونه يمثل تحدياً مالياً أو فنياً، ليشكّل برنامجاً وطنياً متكاملاً يتطلب إصلاحاً مؤسسياً وتشريعياً، وتعبئة للطاقات البشرية والمادية في الداخل والخارج، بما يؤهل سوريا لموقع اقتصادي إقليمي فاعل.
وعلى الرغم من جسامة التحديات الداخلية والخارجية، فإن وضوح الرؤية الوطنية والتوجهات الجادة للحكومة يشكل الضمانة الحقيقية للنجاح، ومن هذا المنطلق، تعمل مجلة “العالم الاقتصادي” لكي تكون منبراً أكاديمياً وإعلامياً يعنى بمتابعة السياسات الاقتصادية وتحليل التوجهات التنموية، وتقديم الرأي الرصين الذي يعزّز ثقة المواطن ويدعم صانع القرار.
تقف سوريا اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من معاناة طويلة إلى مشروع بناء وطني جديد، فالثورة فتحت أفقاً لتجديد الدولة على أساس الكفاءة والمواطنة والشفافية، ولتحويل التضحيات إلى طاقة عمل وإنجاز، ومع تضافر الجهود الوطنية، يمكن أن تصبح التنمية عنوان المرحلة القادمة، وأن تستعيد سوريا مكانتها كدولة قادرة على النهوض والإسهام الفاعل في مستقبل المنطقة.


































