في ظل مرحلة إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي- بعد التحرير- يبرز دور سيدات الأعمال الصناعيات كركيزة أساسية لتعزيز الإنتاج المحلي وتنشيط الاقتصاد الوطني، فالمرأة المنتجة لم تعد مجرد طرف اجتماعي فاعل، بل أصبحت عنصراً اقتصادياً قادراً على: خلق دخل مستدام، توسيع قاعدة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، ودعم منظومة “صُنع في سوريا”.
وفي هذا الإطار، أجرت مجلة العالم الاقتصادي حواراً مع المهندسة وفاء أبو لبدة: عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها- رئيسة لجنة سيدات الأعمال الصناعيات، للوقوف على تجربة اللجنة بعد التحرير، واستعراض التحديات التي واجهتها السيدات الصناعيات، ورؤيتها الجديدة لتمكين المرأة ودعم الاقتصاد الوطني من خلال مشاريع ملموسة ومبادرات مبتكرة.
دور سيدات الأعمال الصناعيات في الصناعة الوطنية
قالت المهندسة أبو لبدة: إن اللجنة تضم حالياً نحو 10 سيدات؛ يمتلكن منشآت صناعية مسجلة رسمياً في الغرفة، موضحة أن المرحلة القادمة ستشهد انضمام سيدات جديدات؛ حصلن على سجلات صناعية بعد تحرير المناطق، “وذلك بهدف تمثيل كل سيدة لديها نشاط صناعي وتمكينها من لعب دور فعّال داخل القطاع”.
وتتنوع المشاريع؛ التي تديرها سيدات الأعمال، بين: الصناعات الكيميائية، الدوائية، الطباعة، الصناعات الغذائية، وصناعة الأدوية البيطرية، وغيرها من مجالات الإنتاج، وفق خبرة السيدات وإمكانات منشآتهن.
وعن التحديات، أشارت أبو لبدة إلى أن المفهوم التقليدي لدور المرأة الصناعية لا يزال يشكل عائقاً، إذ يجهل البعض معنى “سيدة أعمال صناعية”، بوصفها مالكة منشأة تديرها بشكل كامل.
وأكدت أن الرؤية الجديدة للجنة تقوم على محورين: الجانب الصناعي عبر دعم وتطوير المنشآت الإنتاجية، والجانب الاجتماعي التنموي من خلال مبادرات تمكين ودعم مجتمعي.
وتضيف: “وضعنا سلسلة خطوات عملية لاعتماد هذه الرؤية وتنفيذ برامج تستجيب لاحتياجات السيدات الصناعيات خلال المرحلة المقبلة”.
استعادة النشاط الصناعي بعد التحرير
تسوق أبو لبدة أمثلةً حيّة على حجم التحديات، قائلة: “بدأتُ نشاطي الصناعي عام 2002، وكان معملي في إحدى المناطق التي تعرضت لأضرار جسيمة، ما أدى إلى تهدّمه بشكل كامل، بالرغم من ذلك، دفعنا حب العمل في سوريا للاستمرار من نقطة الصفر”.
ومنذ عام 2013، شرعت بإعادة التأسيس في مدينة عدرا الصناعية، حيث استمر العمل على إنشاء معمل جديد حتى عام 2019 ؛ وسط: تحديات لوجستية وأمنية، محدودية في ساعات العمل، وصعوبة تأمين المواد الأولية. وتضيف: “أكبر ما امتلكناه في تلك المرحلة كان الصبر والإصرار على البقاء والاستمرار داخل سوريا”.
كما لاحظت أن مرحلة ما بعد التحرير أعادت الدافع للعمل لدى أغلبية السيدات؛ في مناخ من: الحرية، الانفتاح، والتشاركية في اتخاذ القرار الصناعي، ما ساهم في إعادة تشغيل عدد متزايد من المنشآت الصناعية.
الانفتاح الاقتصادي والتعاون الإقليمي
وفي سياق متصل، تؤكد المهندسة وفاء أبو لبدة أن الانفتاح الاقتصادي الحالي أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع دول الجوار؛ بعد سنوات من الصعوبات التي واجهت التصدير والتبادل التجاري، لافتةً إلى بدء مشاركة سيدات الأعمال في قرارات حماية المنتج الوطني، بالتوازي مع تفعيل التعاون بين غرف الصناعة.
وتسلّط الضوء – بشكل خاص- على تجربة غرفة صناعة عمّان، معتبرة أنها شكّلت محطة مهمة للاطلاع على نموذج متقدم للعمل الغرفي، حيث زار وفد من غرفة صناعة دمشق وريفها العاصمة الأردنية، وجرى توقيع مذكرة تفاهم وتوءمة بين الغرفتين؛ بهدف تحقيق تكامل صناعي وتبادل خبرات، كما تم إطلاق تشبيك مباشر؛ بين لجنة سيدات الأعمال الصناعيات في دمشق وريفها، ومجلس سيدات الأعمال في غرفة صناعة عمّان، لدعم ريادة السيدات العربيات، وتمكينهن من المشاركة في صياغة قرارات صناعية أكثر فاعلية، بما يعزز النشاط الاقتصادي للقطاع الصناعي المحلي.
وتضيف أبو لبدة أن الزيارة، التي جرت في 31 من الشهر الماضي، أتاحت للوفد السوري الاطلاع على: الخدمات التي تقدمها غرفة صناعة عمّان للصناعيين، وآليات التنسيق مع الحكومة الأردنية وسياسات التشاركية في اتخاذ القرار؛ التي تسهم في صياغة قرارات أكثر فاعلية وتحريك النشاط الصناعي.
وتشير إلى أن الاحتكاك المباشر بتجربة عمّان؛ كان ذا أثر إيجابي واضح، إذ تبيّن وجود تقارب كبير بين ما شهدته على أرض الواقع والرؤية والاستراتيجية الجديدة التي أطلقتها غرفة صناعة دمشق وريفها مؤخراً، مؤكدة أن الاطلاع على تجارب الدول الأخرى يشكل رافعةً أساسيةً لتطوير العمل الصناعي المحلي ودفع عجلة الاقتصاد الوطني.
ملتقى ” بصمة فن”.. منصة اقتصادية للمنتجات اليدوية
وتوضح أبو لبدة أن اللجنة أطلقت أولى المبادرات العملية – بعد التحرير- عبر ملتقى “بصمة فن”، الذي ركّز على دعم المرأة المنتجة وتحويل الجهد الفردي إلى نشاط اقتصادي منظم.
الملتقى جمع 40 مشاركة؛ قدمن منتجات يدوية متنوعة؛ من: تطريز بمختلف أنواعه، إعادة تدوير القماش، الصابون، الشمع، لوحات فنية، وأعمال الكروشيه والحفر على الخشب، إضافة إلى مشاركة الجمعيات المحلية، وفتيات فلسطين بالزي الفلسطيني التقليدي.
وأكدت أبو لبدة أن الملتقى ركّز على السيدة قبل المنتج، بحيث أصبح كل عمل يعرض بصمة خاصة تعكس شخصية منتجته، وخلق مصادر دخل مباشرة للعائلات، بعيداً عن الوسطاء، مع خطط لإدماج هذه المنتجات في معارض محلية ودولية ضمن إطار “صُنع في سوريا”.
كما أشارت إلى المشروع التالي للجنة، وهو حاضنة أعمال للحِرف التراثية، خصوصاً الأغباني والصدف؛ بهدف تدريب فتيات جديدات ونقل الخبرة للحفاظ على هذه الحِرف وتحويلها إلى نشاط اقتصادي مستدام.
تعزيز الاقتصاد الوطني عبر المشاريع النسوية
تؤكد المهندسة وفاء أبو لبدة أن تمكين المرأة المنتجة؛ ضمن منظومة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر لا يقتصر على الأثر الاجتماعي، بل يشكّل مساراً اقتصادياً فعّالاً لزيادة الإنتاج المحلي وخلق مصادر دخل مستدامة.
وتُظهر تجربة الملتقى ودمج الخبرات الإقليمية مع غرف الصناعة أن تعزيز ريادة الأعمال النسوية يشكّل رافعةً أساسيةً لتطوير القطاع الصناعي المحلي، وخلق قيمة اقتصادية حقيقية في مرحلة إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.




































