في عمق صحراء أبوظبي، بدأت تتشكّل ملامح مُجَمَّع ضخم للذكاء الاصطناعي، يمتد على مساحة تعادل ربع مساحة باريس، في ما يُعتبر أجرأ رهانات الإمارات على التكنولوجيا أملاً في أن تُسهم في تنويع اقتصادها.
وتقف الرافعات الضخمة أمام مبانٍ منخفضة قيد البناء ستتحول قريباً إلى مراكز بيانات تعمل بطاقة خمسة غيغاواط، في أكبر منشأة من نوعها خارج الولايات المتحدة.
وسيوفّر المُجَمَّع المكتمل سعة تخزين وقدرة حاسوبية كافيتين لإمداد أربعة مليارات شخص على نطاق 3200 كيلومتر، بحسب يوهان نيلرود، المدير التنفيذي للاستراتيجية في شركة مراكز البيانات «خزنة» التابعة لمجموعة «جي42».
منذ ستينيات القرن الماضي، دفع النفط بالإمارات من مجتمعات صحراوية تعيش فيها قبائل بدوية إلى قوة اقتصادية ودبلوماسية بارزة في الشرق الأوسط.
واليوم، يأمل البلد الخليجي الغني أن يساعد الذكاء الاصطناعي في سدّ الفجوة التي سيخلفها تراجع الطلب العالمي على النفط حتماً في المستقبل.
و شركة «أوبن.ايه.آي» تشغيل المرحلة الأولى من مشروع «ستارغيت الإمارات» الذي تنفّذه مجموعة «جي42»، وهو مُجَمَّع حوسبة للذكاء الاصطناعي بسعة واحد غيغاواط، تدعمه شركات تكنولوجيا أمريكية عملاقة مثل «أوراكل» و»سيسكو» و»إنفيديا».
وأعلنت «مايكروسوفت» في تشرين الثاني/نوفمبر عن استثمارات تتجاوز 15,2 مليار دولار في الإمارات بحلول نهاية 2029، ويشمل المبلغ استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في مجموعة الذكاء الاصطناعي «جي42».
وتكثّف الإمارات رهانها على الذكاء الاصطناعي منذ العام 2017، حين عيّنت أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم، وأصبحت ثاني دولة بعد كندا تُطلق استراتيجية وطنية خاصة بهذا القطاع.
وبعد عام من ذلك، تأسست مجموعة «جي42» بدعم من شركة الاستثمار السيادي في أبوظبي «مبادلة». وتقدّم الشركة، التي يرأس مجلس إدارتها شقيق الرئيس الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، حزمة من منتجات الذكاء الاصطناعي، وتوظف أكثر من 23 ألف شخص.
وتقول الإمارات إنها ضخّت أكثر من 147 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي منذ 2024، شملت استثمارات ضخمة في مراكز بيانات في الولايات المتحدة وفرنسا. ويرى الباحث جان فرانسوا غانييه من جامعة مونتريال الكندية أن «الذكاء الاصطناعي، مثل النفط، عابر للقطاعات، ويمكن أن يُحدث أثراً مضاعِفاً ويؤثر في أنشطة مختلفة».
وضخّت الإمارات استثمارات كبيرة في البحث والتطوير في محاولة لتقليل الاعتماد على المعدّات والخبرات المستوردة.
وافتتح معهد الابتكار التكنولوجي مختبرا بحثيا بالتعاون مع «إنفيديا» بهدف «دفع حدود» نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية وتطوير أنظمة الروبوتات، وفق الرئيسة التنفيذية للمعهد نجوى الأعرج.
وتُعدّ الإمارات واحدة من الدول الساعية للحاق بالولايات المتحدة والصين اللتين تتقدمان السباق العالمي نحو هيمنة الذكاء الاصطناعي. غير أنّ هذا البلد الصحراوي الصغير يمتلك أوراق قوة واضحة، على رأسها المال والطاقة.
وبفضل النفط والغاز، إضافة إلى الطاقة الشمسية المتاحة على مدار السنة، تستطيع الإمارات إنشاء محطات كهرباء بسرعة لتغذية مراكز البيانات، وهو أمر يمكن أن يُشكّل تحدّيا في دول أخرى.
وتتيح موارد البلد المالية الضخمة مرونة كبيرة في ضخّ مليارات الدولارات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنشاء البُنى التحتية اللازمة له.
وتتمتع الإمارات بـ»سبق» على جارتها ومنافستها السعودية في جذب الكفاءات، وفق غريغوري سي. ألين من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، بصفتها مركزاً تجارياً للمنطقة يُشكّل فيه الوافدون نحو 90 في المئة من السكان.
واليوم، تخوض الإمارات عملية موازنة دقيقة بين الولايات المتحدة والصين في سعيها للحصول على واردات أساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي، لاسيما الرقائق المتقدمة التي تشغّل مراكز البيانات.
ويقول الباحث جان فرانسوا غانييه أنه «من الواضح أن الإمارات لا تريد الاعتماد على الصين، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الارتهان للولايات المتحدة أيضاً».
لكن رغم الاستثمارات الضخمة والعمل المكثف، فإن النجاح في هذا القطاع المعقد والمتغير باستمرار ليس مضموناً.
ويقول غانييه «في الوقت الحالي، لا نعرف بعد ما هي الاستراتيجية المُثلى ولا ما هي الجهات الفاعلة الجيدة». ويضيف أن «الجميع يراهن على جهات مختلفة، لكن بعضهم سيفشل وبعضهم سينجح».
المصدر: أ ف ب



































