بقلم: ماهر تقي
شكّلت الصناعة الدوائية السورية لعقود ركيزة للأمن الصحي الوطني، فقد استطاعت سوريا قبل الثورة تحقيق شبه اكتفاء ذاتي من الأدوية، إذ كانت تغطي أكثر من 90% من حاجتها محلياً، وتصدّر إلى عشرات الدول، إلا أن هذا التطور واجه عقبات بنيوية فرضها النظام المخلوع عبر الاحتكار الإداري، والقيود على القطاع الخاص، ومنح الامتيازات لشركات محددة دون منافسة حقيقية، ومع انتصار الثورة وتوجه الحكومة الجديدة نحو اقتصاد السوق المنضبط وفتح مجالات الاستثمار الحر، يبرز أفق جديد لإعادة بناء صناعة دوائية وطنية حديثة قائمة على الشفافية، الكفاءة، والشراكة الدولية المتوازنة.
ما الذي عطّل المنافسة؟
بدأت الصناعة الدوائية في سوريا في خمسينيات القرن الماضي مع إنشاء معامل صغيرة لإنتاج المستحضرات البسيطة، ومع سبعينيات القرن العشرين، توسعت تدريجياً بفضل الكفاءات الصيدلانية المحلية وتزايد الطلب الداخلي، غير أنّ سياسات النظام المخلوع حدّت من تطورها الطبيعي؛ فقد فرض نظام تراخيص صارم جعل إنشاء أي معمل جديد رهناً بموافقات أمنية وإدارية معقدة، وتم إجبار الشركات الخاصة على الدخول في شراكات شكلية مع جهات تابعة للنظام للحصول على امتيازات أو مواد أولية، وقد أنتج هذا التدخل المباشر بيئة احتكارية، حيث سيطرت مجموعة ضيقة من المستثمرين المقرّبين من السلطة على الأسواق والمناقصات الحكومية، ما عطّل المنافسة وأضعف البحث العلمي والإنتاج النوعي.
نمو رغم القيود
على الرغم من هذه العقبات، استطاع قطاع صناعة الأدوية أن يحقق تقدماً ملحوظاً بفضل الخبرة الصيدلانية المحلية واعتماد سياسة إحلال الواردات؛ وبحلول العام 2010، بلغ عدد المعامل الدوائية أكثر من 70 معملاً، وغطّت الإنتاجات المحلية نحو 90% من احتياجات السوق المحلية، وقد تحقق النجاح بجهود القطاع الخاص المهني لا بدعم الدولة آنذاك، إذ اعتمدت الشركات على الكفاءات المحلية لتطوير أدوية بأسعار منخفضة ومطابقة للمواصفات، كما توسعت الصادرات إلى أكثر من 50 دولة عربية وإفريقية، وحققت عائدات تجاوزت 250 مليون دولار سنوياً، ومع ذلك ظلّ التطور محدوداً من الناحية التقنية بسبب احتكار النظام المخلوع لتوريد المواد الفعالة ومنع استيراد المعدات الحديثة إلا عبر وسطاء تابعين له، وهو ما رفع التكلفة وأبطأ من عملية التجديد الصناعي.
تفكك بنية الإنتاج
أدت سياسات التدمير التي اتبعها النظام البائد بعد اندلاع الثورة السورية إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وخاصة في محافظتي حلب وريف دمشق اللتين كانتا مركز الصناعة الدوائية، فقد توقف أكثر من 50% من المعامل عن العمل بين عامي 2012 و2016 نتيجة قصف النظام المخلوع، والعقوبات، وصعوبة التوريد، كما هاجر آلاف الصيادلة والمهندسين إلى خارج البلاد، مما أدى إلى نقص حاد في الأدوية الأساسية، وانخفاض الإنتاج إلى أقل من 40% من طاقته قبل الحرب، بينما واصلت بعض الشركات إنتاجها في مناطق آمنة نسبياً، وأثبتت مرونة واضحة، إذ أعادت تشغيل خطوط إنتاج بدائية لتأمين أدوية الأمراض المزمنة محلياً، وقد أكدت هذه القدرة على البقاء عمق الخبرة الوطنية في هذا المجال.
اختلالات ما قبل التغيير
كانت الصناعة الدوائية خلال السنوات الأخيرة من حكم النظام المخلوع تخضع لمنظومة اقتصادية مغلقة؛ فثمة شراكات مفروضة، ولا يُسمح لأي مستثمر محلي أو أجنبي بالدخول إلى السوق إلا عبر وسطاء تابعين له، وتم فرض امتيازات تفضيلية في منح التراخيص والتسعير لشركات مقربة من دوائر السلطة، كما تم تقييد الاستيراد والتصدير؛ فالموافقات الأمنية تعتبر شرطاً أساسياً لاستيراد المواد الفعالة، ما أبطأ عملية الإنتاج، إضافة إلى سياسة تهميش البحث العلمي؛ حيث غابت المخابر الوطنية المستقلة واقتصر التطوير على إعادة إنتاج أدوية أجنبية دون أي ابتكار محلي، وقد خلقت هذه المنظومة صناعة قادرة على الإنتاج الكمي لكنها بقيت محدودة نوعياً، وغير قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
مرحلة مختلفة بعد انتصار الثورة
بدأت في سوريا مرحلة مختلفة من التفكير الاقتصادي بعد انتصار الثورة وتشكيل حكومة جديدة تتبنى اقتصاد السوق المنضبط، حيث ترتكز السياسة الصناعية الجديدة ترتكز على تحرير بيئة الاستثمار وإلغاء القيود البيروقراطية السابقة، وإنهاء الاحتكار وفتح الباب أمام المنافسة العادلة، وتشجيع الشراكات الدولية القائمة على المصالح الاقتصادية لا الولاءات السياسية، وتحديث التشريعات الدوائية لضمان جودة المنتجات وتسهيل تسجيل الأدوية الجديدة، وهذه التوجهات تُعيد تعريف الصناعة الدوائية كقطاع إنتاجي مفتوح ومبتكر، يهدف إلى استعادة ثقة السوق الداخلية والخارجية.
ملامح النهضة المرتقبة
| الملمح | المسار |
| تحرير سلاسل التوريد | الانفتاح الاقتصادي يسمح باستيراد المواد الفعالة مباشرة من الموردين العالميين دون وسطاء |
| تشجيع البحث والتطوير | توجيه الجامعات ومراكز البحث نحو إنتاج أدوية جديدة وتوطين التكنولوجيا الحيوية |
| التحول الرقمي الصناعي | إدخال أنظمة جودة رقمية لتتبع الإنتاج والتوزيع |
| تحفيز الاستثمار الأجنبي | عبر شراكات استراتيجية مع شركات من آسيا وأوروبا الشرقية لتوطين التصنيع |
| توسيع السوق التصديرية | استعادة العلاقات التجارية مع الدول العربية والأفريقية التي كانت تستورد الدواء السوري سابقاً |
ومن شأن هذه السياسات أن يمكّن الصناعة من تجاوز مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو المستدام.
حجم صناعة الدواء في سوريا
شكّل قطاع صناعة الأدوية قبل الثورة نحو 3% من الناتج المحلي الصناعي، ووفّر أكثر من 20 ألف فرصة عمل مباشرة مع إعادة الهيكلة والانفتاح التجاري، ومن المتوقع أن ترتفع مساهمته إلى أكثر من 5% خلال العقد القادم، وتقدّر السوق الداخلية حالياً بحوالي 700 مليون دولار قابلة للزيادة مع تحسن الدخل وتوسع التغطية الصحية، كما يمكن أن يعود التصدير ليشكّل مصدراً أساسياً للقطع الأجنبي، ولا سيما مع الاتجاه إلى إنتاج أدوية نوعية بأسعار تنافسية للأسواق الإقليمية.
تحديات جديدة.. وإدارة عقلانية
تواجه صناعة الأدوية في سوريا خلال المرحلة القادمة تحديات تتطلب إدارة عقلانية تتمثل بإعادة بناء الثقة الدولية بالمنتجات السورية من خلال الالتزام بمعايير التصنيع الجيد (GMP)، و تأهيل الكوادر التي غادرت البلاد عبر برامج عودة العقول، وضبط السوق لمنع الغش الدوائي ورفع مستوى الجودة، واستقرار السياسات النقدية لخفض تقلبات تكلفة الإنتاج، لكن هذه التحديات تُعدّ طبيعية في مرحلة إعادة الإعمار، ويمكن تجاوزها في ظل وجود مؤسسات مستقلة وسياسات شفافة.
قاطرة للنهوض الاقتصادي
لا يقتصر دور القطاع الدوائي على إنتاج الأدوية فقط؛ بل يشكل نواة لصناعات مكمّلة مثل: التغليف، تصنيع المعدات الطبية، والبحث العلمي التطبيقي، وإن إحياء هذا القطاع يعني تنشيط الاقتصاد الصناعي بأكمله، وتحقيق توازن بين الأمن الصحي والاقتصادي، ومن شأن تطوير الصناعات الدوائية الحيوية والمستحضرات البيولوجية أن يجعل سوريا قادرة على المنافسة الطبية في سوق الشرق الأوسط.
ويمكننا أن نقول: إن تاريخ الصناعة الدوائية في سوريا هو قصة تطور رغم القيود؛ وقد نشأت من جهود وطنية صرفة، وازدهرت رغم الاحتكار والبيروقراطية، ثم تضررت بفعل الحرب والعقوبات وسياسات النظام المخلوع، لكنها اليوم أمام فرصة تاريخية جديدة؛ فانتصار الثورة وتبني اقتصاد السوق المنضبط والانفتاح التجاري يشكلان بيئة خصبة لبناء صناعة دوائية وطنية حديثة، قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والشراكات العادلة، ولا تمثل هذه الصناعة مجرد قطاع اقتصادي وحسب؛ بل تمثل ضماناً للأمن الصحي والسيادة الوطنية، وأداة لإعادة الثقة في القدرة السورية على النهوض والإبداع بعد عقود من التقييد والانغلاق.



































