بقلم: ياسر سعدة
شهدت مرحلة ما بعد التحرير في سوريا تحولاً جوهرياً في واقع عمل الشركات، بعد التوجه الحكومي نحو إعادة تفعيل الهياكل الاقتصادية وتنظيم بيئة الأعمال بما يلائم احتياجات التعافي، وفي هذا السياق برزت مجموعة من الإصلاحات التي أعادت رسم الدور المؤسسي للدولة في إدارة قطاع الشركات، وساهمت في بناء منظومة أكثر كفاءة ومرونة، فتطوير البنية الإدارية المرتبطة بتأسيس الشركات يعد محوراً أساسياً في هذا التحول، والإصلاحات تهدف إلى تقليل المعوقات الإجرائية، وتوفير بيئة قانونية واضحة تشجع المستثمرين على دخول السوق من جديد.
ومن أبرز الخطوات التي عكست هذا النهج إعادة افتتاح مديرية الشركات في مبنى الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق، وذلك بعد إعادة تأهيلها من جديد وتطوير آليات الخدمة اعتماداً على نظام النافذة الواحدة، وتعزيز البيئة الاستثمارية وتحسين مناخ الأعمال في سوريا، وقد أسهم هذا التطوير في توحيد مراحل تأسيس الشركات وإصدار السجل التجاري وتنفيذ إجراءات الدمج أو الحل ضمن إطار تنظيمي سلس، الأمر الذي خفّض الأعباء على المراجعين ورفع من كفاءة المعالجة الإدارية، وأتاح للمستثمرين – ولا سيما أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة- بدء أعمالهم بسهولة أكبر وفي زمن أقل، بما يعزز دورهم في دفع النشاط الاقتصادي خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وامتد هذا التطوير المؤسسي إلى محافظة حمص، حيث جرى افتتاح مركز دائرة الشركات والسجل التجاري في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك والذي يهدف إلى تبسيط الإجراءات وتسهيل الخدمات المقدمة لأصحاب الشركات، عبر جمع المعاملات في مركز واحد يسهم في تسريع إنجاز الأعمال وتعزيز بيئة العمل والاستثمار في المحافظة، وقد مكّن هذا المركز رواد الأعمال من الحصول على الخدمات دون الحاجة للسفر إلى دمشق، الأمر الذي دعم اللامركزية ورفع مستوى النشاط الاقتصادي في المحافظات، كما ساعد هذا التوجه على خلق بيئة أعمال أكثر توازناً، قادرة على استيعاب الاستثمارات الجديدة وتسهيل انطلاق المشاريع المحلية.
وفي إطار تنظيم الشركات الأجنبية، تم نقل دائرة فروع ووكالات الشركات الأجنبية من مديرية التجارة الخارجية إلى مديرية الشركات في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق، بهدف توحيد المرجعية المسؤولة عن متابعة هذا النوع من الشركات، وقد أسهم هذا الإجراء في تحسين الرقابة وتسهيل عمليات التسجيل والتوثيق، إضافة إلى خلق آلية أكثر وضوحاً لمعالجة الملفات المتعلقة بالاستثمارات الخارجية، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة ويعزز قدرة الدولة على استقطاب رأس المال الأجنبي.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع واضح في عدد الشركات المسجلة منذ مطلع العام 2025 وحتى نهاية أيلول الماضي، حيث بلغ العدد الإجمالي 11172 شركة، وتعد هذه الزيادة دليلاً على حيوية الاقتصاد الوطني وقدرته على استعادة نشاطه مع تحسن الإجراءات الحكومية، كما أن اعتماد الأدوات الرقمية وتطوير قواعد البيانات المركزية يعزز من فاعلية العمل المؤسسي، ويمهّد لبيئة أعمال أكثر شفافية واستقراراً في الفترة القادمة.
وتظهر هذه التطورات اتساع الاهتمام الحكومي بإعادة بناء قطاع الشركات بوصفه ركيزة أساسية لمرحلة ما بعد التحرير، حيث يسهم تبسيط الإجراءات وتحسين الإطار التنظيمي في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم عودة النشاط الاقتصادي، كما يساعد ذلك على تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة من التوسع، وفتح المجال أمام مبادرات ريادية جديدة.
وفي هذا الصدد تواصل الحكومة تطوير الأنظمة الرقمية وتحديث آليات الخدمة بهدف تأمين بيئة أعمال أكثر شفافية وكفاءة خلال السنوات القادمة، وتالياً فإن استمرار هذه الجهود يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد، ويرفع قدرات الشركات، ويهيئ السوق لاستقطاب استثمارات جديدة وبكفاءة أعلى في المرحلة المقبلة.



































