بقلم: نور عباس
شهد الاقتصاد السوري خلال الفترة الممتدة من كانون الأول 2024 إلى كانون الأول 2025 تحولات عميقة في بنيته النقدية، متأثراً بالمرحلة السياسية الجديدة وتداعياتها على النظام المالي والمصرفي.
وفي قلب هذه التحولات برزت التحويلات المالية من المغتربين باعتبارها المصدر الرئيس للعملات الأجنبية، والسند الأول لاستقرار سعر الصرف وسط اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، وتذبذب الثقة، وغياب تدفقات استثمارية خارجية ذات وزن
وسنتناول بطريقة تحليلية ديناميكيات الحوالات المالية وسعر الصرف خلال هذا العام الانتقالي، ويقدّم قراءة متوازنة لتأثير هذه المتغيرات على الواقع الاقتصادي الكلي.
السياسة النقدية وإعادة تشكيل سعر الصرف
منذ سقوط النظام المخلوع وانتصار الثورة في 8 كانون الأول 2024، بدأ مصرف سوريا المركزي في إعادة تشكيل سياسته النقدية، وكان أبرز مؤشر على هذا التغيير تثبيت سعر الصرف الرسمي عند 15 ألف ليرة للدولار، في محاولة لخلق مرجعية سعرية أكثر انضباطاً، وتزامن ذلك مع بدء جهود حثيثة لتنظيم سوق القطع عبر توحيد نشرات الصرف بين المصارف وشركات الحوالة، ما شكّل خطوة نحو تضييق الفجوة مع السعر الموازي وتقليل التشوهات التي اعتاد عليها السوق لسنوات طويلة.
الحوالات المالية: شريان الاقتصاد السوري
إلا أن الركيزة الأكثر حسماً كانت التحويلات المالية. فخلال هذا العام، اتضح بصورة جلية أن الحوالات باتت تمثل شرياناً نقدياً أساسياً للاقتصاد السوري. فقدّرت البيانات الرسمية وشبه الرسمية التدفقات السنوية من بعض الدول، مثل الإمارات، بما يتراوح بين 700 و800 مليون دولار، وهو رقم يمثل أهمية استثنائية في اقتصاد محدود الموارد ومثقل بالاحتياجات اليومية، وفي ظل غياب مصادر أخرى للعملة الصعبة، أصبح من الواضح أن استقرار سعر الصرف بات يعتمد بصورة شبه كاملة على انتظام الحوالات وقنوات تدفقها.
ولتعزيز هذه المعادلة، رفع المصرف المركزي أسعار شراء الحوالات عبر القنوات النظامية، في محاولة للحد من اعتماد المواطنين على السوق الموازية، وقد جاءت هذه الخطوة نتيجة إدراك أن جذب الحوالات عبر النظام المصرفي لا يخدم فقط استقرار سعر الصرف، بل أيضاً يعزز قدرة الدولة على مراقبة التدفقات وتوجيهها نحو احتياجات أساسية، مثل استيراد القمح والوقود والمواد الطبية، كما أسهم توحيد نشرات الصرف لاحقاً في تحسين الشفافية وتعزيز الثقة لدى المرسلين والمتلقين على حد سواء.
العودة إلى النظام المصرفي الدولي
مع منتصف 2025 شهدت السياسة النقدية تطوراً نوعياً بعودة سوريا إلى نظام “سويفت” للمدفوعات المالية الدولية، وأسهم هذا التطور في فتح باب واسع أمام التحويلات الرسمية منخفضة التكلفة، بعد سنوات من الاعتماد على قنوات بديلة عالية العمولة ومرتفعة المخاطر، كما شكلت أول عملية تحويل مصرفي مباشر بين بنك سوري وآخر أوروبي نقطة تحول رمزية، إذ عكست بداية استعادة القطاع المالي لقدر من شرعيته المؤسسية، وأتاحت منصة حقيقية لتوسيع حجم التحويلات مستقبلاً.
التحديات المستمرة لسعر الصرف
ورغم هذه الخطوات، ظل سعر الصرف تحت ضغط مستمر. فالتقلبات في السوق الموازية لم تتوقف، وتأثر الطلب على الدولار بتوترات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، ومع أن السعر الرسمي انخفض إلى 11 ألف ليرة بحلول النصف الثاني من 2025، فإنّ هذا التعديل لم يلغِ التفاوت مع السوق السوداء التي واصلت التفاعل مع العوامل النفسية والسياسية بصورة تفوق تأثير المعطيات الاقتصادية، إلا أن ثبات النشرة الرسمية، إلى حدّ كبير، عكس رغبة المصرف المركزي في إرسال إشارة استقرار، طالما بقيت الحوالات تتدفق بوتيرة مقبولة.
إجراءات إعادة تقييم العملة وخطط تعزيز الثقة بالليرة
بحلول آب 2025، دخلت السياسة النقدية مرحلة جديدة مع إعلان خطة إعادة تقييم العملة عبر حذف صفرين من التداول، ورغم أن هذه الخطوة ذات أثر رمزي في جزء منها، فإنها جاءت ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة بناء الثقة بالليرة وتسهيل التعاملات اليومية، لكن نجاحها كان ولا يزال مرهوناً بوجود سياسة نقدية منضبطة، وقنوات تحويل مستقرة، واستمرار دورة تدفق العملات الأجنبية دون انقطاع.
إن تأثير الحوالات المالية في هذه السنة الانتقالية تجاوز دورها كوسيلة دعم مباشر للأسر، ليشمل جوانب أوسع في الاقتصاد الكلي؛ فقد ساعدت على تمويل الاستيراد، وتقليل الضغوط التضخمية، وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف مقارنة بما كان يمكن أن يحدث لو غابت هذه التدفقات، كما أسهمت في إعادة ربط الاقتصاد السوري بمنظومته المصرفية الخارجية، وهو شرط أساسي لأي عملية إعادة إعمار أو اندماج مالي دولي في المستقبل.
مخاطر الاعتماد على الحوالات وأفق السياسات المستقبلية
ومع ذلك، يبقى الاعتماد شبه الكامل على الحوالات سيفاً ذا حدين؛ ففي حال تعرضت هذه التدفقات لأي هزة، سواء نتيجة ظروف سياسية أو تنظيمية أو اقتصادية في الدول المستقبِلة للمهاجرين السوريين، فإن الاقتصاد المحلي سيواجه ضغوطاً شديدة على سعر الصرف والقدرة الشرائية، كما أن استمرار فجوة سعر الصرف بين السوق الرسمية والموازية يظل عاملاً مقلقاً، يرتبط بعمق بضعف الإنتاج المحلي وقلة الاستثمار.
في ضوء ذلك، تبدو الحاجة ملحة نحو سياسات تستهدف تحويل جزء من الحوالات من عملية استهلاك يومي إلى أدوات ادخار واستثمار حقيقية، بما يعزز القاعدة الإنتاجية ويقلل من هشاشة النظام النقدي، وتشمل هذه السياسات تطوير منتجات مصرفية جاذبة للمغتربين، وتوفير ضمانات استثمارية، وتعزيز استقلالية الجهاز المصرفي، وتوسيع برامج الربط المالي عبر سويفت.
جدول تحليلي (بيان تطور السياسات والنتائج المحتملة)
| الفترة الزمنية | السياسات المتخذة | التأثير على التحويلات- الصرف | المخاطر والتحديات |
| كانون الأول 2024 | تثبيت سعر الصرف رسمياً عند 15.000 ليرة \دولار | سعر رسمي مرتفع لجذب التحويلات ـ إشارة لسيادة مصرفية | فجوة كبيرة مع السوق الموازي ـ عدم ثقة في الشفافية النقدية |
| مطلع 2025 | توحيد نشريات الصرف بين البنوك وشركات الصرافة | تحسين الشفافية ـ تسهيل قنوات التحويل الرسمية | تنفيذ معقد ـ مقاومة من صرافين غير نظاميين |
| منتصف 2025 | تثبيت السعر الرسمي عند 11.000 ليرة \دولار | سعر أقل من 15.000 محاولة لتقريب السوق الرسمي من السوق الحقيقي | إذا ارتفع الطلب على الدولار قد ينهار السعر من جديد |
| منتصف 2025 | إعادة الربط مع نظام سويفت للمدفوعات | فتح قنوات تحويل رسمية دولية ـ خفض تكلفة المعاملات | ضرورة ترميم الثقة ـ تحديات تقنية وتنظيمية ـامتثال لغسيل الأموال |
|
أواخر 2025 |
إعلان إعادة تقييم العملة ـ إسقاط صفرين |
تسهيل التعاملات النقدية ـ علامة رمزية على بداية جديدة |
احتمال التباس للمواطنين ـ مخاطر التنفيذ ـ الحاجة لحملة توعية |
خلاصة القول: إن الفترة الممتدة بين كانون الأول 2024 وكانون الأول 2025 شكّل مرحلة إعادة تشكيل للنظام النقدي السوري، لعبت خلالها التحويلات المالية دوراً محورياً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، ومع أن هذه التحويلات كانت بمثابة طوق نجاة مؤقت، فإن استدامة الاستقرار النقدي تتطلب انتقالاً من الاعتماد على تدفقات المغتربين إلى بناء اقتصاد منتج، قادر على توليد عملته الصعبة من داخله، لا من جيوب أبنائه المهاجرين.



































