لعقود طويلة.. مثّل قطاع صناعة النسيج في سوريا ركيزة الاقتصاد غير النفطي، وأحد أبرز مصادر القطع الأجنبي، وسنتناول في هذا البحث التحليل الكمي والتاريخي لتطور الصناعة النسيجية منذ الاستقلال عام 1946 وحتى العام 2024، مع تحديد قيم الصادرات ونسبها من الدخل القومي، وحجم السوق الداخلية والخارجية، والتوزيع النوعي بين الأقمشة: القطنية، الصوفية، الحريرية، والصناعية، إضافةً إلى تحليل نقدي لسوء الإدارة في القطاع العام في حقبة النظام المخلوع والتأثير البنيوي لذلك في الأداء الصناعي وفق ما تورده الجداول (1–2–3–4).
الجدول (1) قيمة الصادرات النسيجية ونسبتها من الدخل القومي
| المرحلة | قيمة الصادرات النسيجية (مليون دولار) | نسبة من إجمالي الصادرات السورية | نسبة من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) |
| 1950-
1965 |
25-60 | %30-25 | 3-5% |
| 1970-1980 | 100-250 | %20-15 | 2-3% |
| 1990-2000 | 400-700 | %12-10 | 1.5-2% |
| 2010 (الذروة) | 1,199 | %10.56 | 1.95% |
| 2015 | 100< | %3< | 0.5<% |
| 2022-2024 | 80.2≈ | %2 < | 0.2≈% |
جدول(2) توزيع الأنواع داخل الصناعة النسيجية
| نوع النسيج | حصة من الإنتاج الوطني | حصة من الصادرات النسيجية | ملاحظات |
| قطني | %65-60 | %60-55 | أساس الصناعة النسيجية السورية، يعتمد على القطن طويل التيلة. |
| صوفي | %15-10 | 10<٪ | إنتاج محلي يعتمد على الصوف السوري، موجه للسوق الداخلية. |
| حريري طبيعي | 3<٪ | 1<٪ | صناعة تراثية محدودة في الساحل وحمص. |
| صناعي (بوليستر ونايلون) | %25-20 | %35-30 | نمو متزايد منذ التسعينيات، منافس إقليمي قوي. |
جدول (3) حجم السوق الداخلية والتصديرية (2007–2010)
| المؤشر | القيمة (مليار دولار) | ملاحظات |
| إجمالي الإنتاج الصناعي النسيجي (2007) | 2.0≈ | بيانات SIBA 2007 |
| الصادرات النسيجية (2010) | 1.2≈ | بيانات WITS |
| الواردات النسيجية (2010) | 0.2- 0.4 | تقديرات IMF |
| حجم السوق المحلية الصافي | 1.0≈-1.2 | يمثل الاستهلاك المحلي الفعلي |
جدول(4) مقارنة بين فترتي الازدهار (2000-2010) والتراجع (2011-2024)
| المؤشر | فترة الازدهار 2000-2010 | فترة التراجع 2011-2024 |
| قيمة الصادرات | 1.2 مليار دولار | 0.08 مليار دولار |
| حصة من GDP | 1.9% | 0.2% |
| إنتاج القطن | 900 ألف طن مبزر | 120 <ألف طن |
| تشغيل المعامل | 70> % | 30<٪ |
| الأنواع النسيجية | قطني 60% – صناعي 25% – صوفي 10% – حريري 2% | صناعي 50% – قطني 35% – صوفي/حريري 10<% |
رافعة لتشغيل اليد العاملة
تُظهر البيانات السابقة أن صناعة النسيج في سوريا لم تكن مجرد نشاط إنتاجي تقليدي، بل كانت مكوّناً استراتيجياً في البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، حيث شكّلت هذه الصناعة عبر عقود وسيلة لتوليد الدخل القومي، ورافعة لتشغيل اليد العاملة، خاصة في المدن الكبرى، مثل: حلب، دمشق، وحمص، وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن كل منشأة نسيجية متوسطة الحجم كانت توفّر نحو 50 إلى 80 فرصة عمل مباشرة، بالإضافة إلى مئات فرص العمل غير المباشرة؛ في النقل والتسويق والتعبئة، وهو ما جعل القطاع يشكل أحد أكبر المشغّلين بعد الزراعة.
ازدواجية مؤسسية وخلل في بنية السوق
لكن هذه الأهمية لم تُترجم إلى كفاءة مستدامة؛ فالإدارة العامة للصناعات النسيجية اعتمدت نموذجاً مركزياً صارماً في اتخاذ القرار، ما أدى إلى غياب المرونة الإنتاجية، وكانت القرارات الكبرى المتعلقة بتوريد الآلات، أو تحديد الأسعار والأجور تصدر من وزارات مركزية من دون مراعاة للظروف السوقية، ما أضعف القدرة على المنافسة وأدى إلى تراكم خسائر هيكلية، حيث تحوّلت بعض المنشآت إلى عبء على الميزانية العامة، بدلاً من أن تكون مصدراً للدخل، ومن ناحية أخرى، كان القطاع الخاص أكثر كفاءة بفضل مرونته الإدارية وقربه من الأسواق، لكنه واجه تمييزاً واضحاً في السياسات الائتمانية والضريبية؛ فالمعامل الخاصة كانت تُعامل باعتبارها منافساً للقطاع العام لا مكملاً له، ما حدّ من قدرتها على التوسع في التصدير، وأدت هذه الازدواجية المؤسسية إلى خلل في بنية السوق، حيث بقيت مؤسسات الدولة متضخمة لكنها غير فعالة، بينما ظلت الشركات الخاصة صغيرة الحجم ومحدودة النفاذ إلى التمويل.
كما كشفت البيانات المتعلقة بالقيمة المضافة في الصناعة النسيجية أن نسبة الأرباح إلى رأس المال في المعامل العامة كانت أدنى بنحو 30% من نظيراتها في القطاع الخاص قبل عام 2010، وهذا الفارق لا يُفسّر فقط بعوامل التكنولوجيا أو التمويل، بل يرتبط جوهرياً بانعدام الحوكمة الاقتصادية وغياب نظام محاسبة الأداء، وتالياً فإن استخدام القطاع العام كأداة للولاء بدلاً من التنمية الاقتصادية، جعل الكثير من معامل الغزل والنسيج تعمل بكفاءة متدنية، وأحياناً بطاقة تشغيل لا تتجاوز 40% من الحد التصميمي.
خسارة أسواق الجوار وتراجع العمالة
كما لعبت التحولات الإقليمية في التجارة دوراً مهماً؛ فبعد عام 2003، أصبحت السوق العراقية أكبر مستورد للمنتجات النسيجية السورية، ثم تبعتها أسواق الخليج العربي، غير أن ضعف القدرة التنافسية، من حيث الجودة والتصميم، حال دون بقاء هذه الأسواق مستدامة، فبعد عام 2011، شغلت المنتجات التركية والصينية الفراغ بسرعة بفضل تكاليفها المنخفضة ودعم حكوماتها، ونتيجة لذلك، فقدت سوريا نحو 80% من حصتها التقليدية في أسواق الجوار بحلول العام 2015.
وتراجعت العمالة النسيجية من نحو 250 ألف عامل قبل 2011 إلى أقل من 60 ألفاً عام 2020، مع انخفاض حاد في مشاركة النساء اللواتي كنّ يشكلن ما يقارب 30% من القوة العاملة في القطاع، وجعلت خسارة هذا المخزون البشري المدرّب مهمة إعادة الإقلاع أكثر صعوبة، إذ يحتاج تأهيل الأيدي العاملة وإعادة بناء المهارات إلى استثمارات زمنية ومؤسسية طويلة الأمد.
على المدى الطويل، يُظهر التحليل الاقتصادي أن إعادة هيكلة قطاع النسيج السوري لن تكون ممكنة من دون تبني نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص قائم على الكفاءة والشفافية، كما يتطلب الأمر إصلاحات تشريعية تضمن المنافسة العادلة، وتمنح حوافز تصديرية مبنية على الجودة والإنتاجية لا على العلاقات الإدارية؛ فمن دون هذه الإصلاحات، ستظل صناعة النسيج رهينة الماضي، عاجزة عن استعادة موقعها التاريخي في الدخل القومي السوري.
مسار إنعاش النسيج السوري
في المحصلة نشير إلى أن صناعة النسيج السورية بلغت ذروتها في عام 2010، بصادرات تجاوزت 1.2 مليار دولار؛ شكلت أكثر من 10% من إجمالي الصادرات ونحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهيمنت الأقمشة القطنية على الإنتاج، تليها الأقمشة الصناعية، لكن سوء الإدارة في القطاع العام، واعتماد التعيينات على الولاء للسلطة، أديا إلى تدني الكفاءة التشغيلية وتآكل القدرة التنافسية، وبعد عام 2011، تراجعت قيمة الصادرات إلى 80 مليون دولار فقط، نتيجة الحرب والعقوبات وانهيار زراعة القطن، وتالياً فإن إنعاش هذا القطاع يتطلب إعادة بناء سلاسل القيمة من الزراعة إلى التصدير، وتشجيع الاستثمار في الأقمشة الصناعية والملابس الجاهزة التي لا تزال تمتلك ميزةً سوقيةً إقليمية.
إعداد: العالم الاقتصادي



































