يعتمد الاقتصاد الصناعي في مختلف أنحاء العالم على الصناعات الكيميائية كأحد محركاته الرئيسة؛ فهي تسهم في تحقيق الأمن الغذائي والصحي والصناعي من خلال منتجاتها المتعددة التي تشمل: الأسمدة، الأدوية، المنظفات، والبتروكيماويات.
في الدول العربية، يتباين مستوى تطور هذا القطاع نتيجة لاختلاف البنية الاقتصادية، والموارد الطبيعية، ومستوى التكنولوجيا الصناعية، وفي سوريا يمثل هذا القطاع محوراً واعداً رغم التحديات التي مرت بها البلاد منذ أكثر من 14 عاماً.
سنحاول في هذه الدراسة أن نقدم تحليلاً معمّقاً لواقع الصناعات الكيميائية في سوريا، مع مقارنة هيكلية ومؤسسية بالتجربتين المصرية والسعودية، اللتين تمثلان نموذجين ناجحين نسبياً في المنطقة العربية، وذلك بغرض استخلاص الدروس والسياسات الكفيلة بإحياء هذا القطاع الحيوي، وننوه بأننا اعتمدنا في ذلك على المنهج التحليلي المقارن الذي يقوم على تحليل بيانات كمية ونوعية تقريبية صادرة عن مؤسسات عربية ودولية خلال الفترة الممتدة بين 2010–2024، مع التركيز على مؤشرات: الإنتاج، الصادرات، حجم العمالة، والبنية التحتية.
ملامح تشكلت في سوريا منذ الستينيات
تاريخياً، بدأت تتشكل ملامح الصناعات الكيميائية في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي، عندما تم إنشاء المؤسسة العامة للصناعات الكيميائية كمظلة رسمية للإنتاج والتطوير، ثم توسعت الاستثمارات الحكومية في السبعينيات والثمانينيات في مجالات: الأسمدة، الدهانات، والزيوت المعدنية، خاصة في محافظات حمص ودمشق وحلب، وبلغ الإنتاج ذروته خلال العقد الأول من القرن العشرين حيث وصل إنتاج الأسمدة الفوسفاتية إلى أكثر من 3 مليون طن سنوياً، إلا أن هذا القطاع واجه تحديات كبيرة بعد عام 2011 نتيجة تضرر المنشآت، وصعوبة توريد المواد الأولية، وفقدان الأسواق الخارجية، وبقيت بعض الصناعات الصغيرة كالأدوية والمنظفات تعمل بقدرات محدودة لتلبية الطلب المحلي.
التجربة المصرية والسعودية
وقد تم اختيار مصر والسعودية كنموذجين للمقارنة لأن الأولى تمثل نموذجاً تنموياً قائماً على التنويع الصناعي، بينما الثانية تمثل نموذجاً ناجحاً في التكامل الرأسي والاعتماد على الطاقة والبتروكيماويات، وتم تحليل المعطيات ضمن ثلاثة محاور رئيسية مدعومة بجداول رقمية تفسيرية فلنتابع..
جدول رقم /1/- المؤشرات الاقتصادية الأساسية
| مؤشر / دولة | السعودية | مصر | سوريا |
| نسبة الطاقة الإنتاجية من البتروكيماويات الخليجية (%) | ≈ 64.5 | — | — |
| طاقة الإنتاج السنوية ( مليون طن) | 115 | ≈ 4.5 | ≈ 1.2 |
| قيمة الصادرات (مليار دولار) | ≈ 35.0 | ≈ 8.0 | ≈ 0.15 |
| مساهمة القطاع في الناتج الصناعي (%) | ≈ 20 | ≈ 15 | ≈ 6 |
| عدد العاملين المباشرين )مليون) | ≈ 1.1 | ≈ 7 | ≈ 0.1 |
توضح الأرقام الواردة في الجدول رقم /1/ الفارق الكبير بين الدول الثلاث؛ فالسعودية تمثل القطب العربي الأول في الصناعات الكيميائية، بفضل توافر المواد الخام الهيدروكربونية وسياسات دعم الاستثمار، إذ تبلغ صادراتها الكيميائية نحو 35 مليار دولار سنوياً، أما مصر فقد نجحت في توظيف الغاز الطبيعي لإقامة مجمعات بتروكيماوية متقدمة بطاقة 4.5 ملايين طن سنوياً.
في المقابل، ما يزال الإنتاج السوري محدوداً ويعتمد في معظمه على الفوسفات والأسمدة البسيطة، مع ضعف في تكامل الصناعات الكيميائية المتوسطة والمتقدمة.
جدول رقم /2/ – واقع الصناعات الكيميائية في سوريا مقارنة بمصر والسعودية
| محور المقارنة | السعودية | مصر | سوريا |
| التكاليف الطاقية ووفرتها | منخفضة ومستقرة | متوسطة مع دعم حكومي | مرتفعة مع انقطاعات |
| التكامل الصناعي الرأسي | كامل بين التكرير والبتروكيماويات | جزئي قيد التطوير | ضعيف ومجزأ |
| التكنولوجيا المستخدمة | حديثة جداً وشراكات عالمية | حديثة نسبياً | قديمة ومحدودة |
| الاعتماد على الموارد المحلية | مرتفع (الغاز والنفط) | مرتفع (الغاز) | متوسط (الفوسفات فقط) |
| القدرة التصديرية | عالية ومتنوعة | متوسطة متنامية | ضعيفة ومركزة على الخام |
تشير المقارنة الواردة في الجدول رقم /2/ إلى أن السعودية استطاعت بناء صناعة كيميائية متكاملة من خلال ربطها بقطاع النفط والتكرير، بينما اعتمدت مصر على تطوير صناعة الأسمدة والبتروكيماويات استناداً إلى الغاز الطبيعي، أما سوريا فقد ركزت على الصناعات التحويلية الصغيرة، فهي تفتقر إلى مجمعات كيميائية كبرى، وتعاني من ضعف في منظومة البحث العلمي الصناعي، وقلة التمويل، وصعوبة استيراد المعدات، ما أدى إلى انخفاض مستوى الكفاءة والإنتاجية.
جدول رقم /3/- آفاق التطوير والسياسات المقترحة
| السياسة المقترحة | الأثر المتوقع | المدى الزمني |
| تحويل الفوسفات إلى منتجات DAP/MAP | رفع القيمة المضافة وزيادة الإيرادات | 3-5 سنوات |
| تأهيل مجمع الأسمدة في حمص | زيادة الإنتاج الوطني وخفض الاستيراد | 2-3 سنوات |
| تأسيس مجمع بتروكيماوي | تنويع الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاستيراد | 5-7 سنوات |
| تطوير الصناعات الدوائية والصناعات الكيميائية المتخصصة | دعم الاكتفاء المحلي وخلق فرص عمل | قصير المدى |
| إدخال معايير بيئية صارمة | تحسين التنافسية وفتح أسواق خارجية | متوسط المدى |
| بناء شراكات عربية في التدريب والتصنيع | نقل الخبرة التقنية والإدارية | قصير إلى متوسط |
إن تطوير الصناعات الكيميائية في سوريا وفقاً لما ورد في الجدول رقم /3/ يتطلب رؤية وطنية طويلة الأمد ترتكز على ثلاثة محاور أساسية:
أولاً- التكامل القطاعي بين الصناعة والطاقة والزراعة عبر عقود غاز مستقرة للمصانع.
ثانياً- تحديث التكنولوجيا الإنتاجية واستقطاب الشراكات الاستثمارية العربية، خصوصاً مع مصر والسعودية التي تمتلك خبرات تراكمية في البتروكيماويات.
ثالثاً- توطين البحث العلمي الصناعي من خلال إنشاء مراكز متخصصة في المواد الكيميائية التطبيقية.
يُضاف إلى ذلك ضرورة تحسين البنية التحتية للنقل والمرافئ، بما يسهم في خفض تكاليف التوزيع والتصدير، ومن الضروري تبنّي سياسات بيئية وإدارية حديثة لضمان استدامة التشغيل وجودة المنتج.
مقومات مهمة تحتاج إلى سياسات جريئة
تمثل الصناعات الكيميائية ركيزة اقتصادية يمكن أن تسهم في إعادة إعمار الاقتصاد السوري إذا تمت إدارتها ضمن رؤية تكاملية، أما الفجوة مع مصر والسعودية فتعود إلى ضعف الاستثمار والتكنولوجيا وليس إلى نقص الموارد الطبيعية، وتالياً فإنه ينبغي تحويل الصادرات السورية من المواد الخام إلى منتجات نصف مصنّعة أو مصنّعة بالكامل، إلى جانب بناء شراكات استراتيجية عربية يشكل وسيلة فعالة لنقل التكنولوجيا والخبرة، وإدراج البعد البيئي ضمن التشريعات الصناعية المستقبلية، إضافة إلى تأسيس صندوق وطني لدعم البحث والتطوير في الصناعة الكيميائية لتمويل مشاريع الابتكار.
ويتضح من التحليل المقارن أن سوريا تمتلك مقومات مهمة لتطوير قطاع الصناعات الكيميائية لكنها تحتاج إلى سياسات جريئة لتجاوز التحديات البنيوية والتمويلية، فالتجربتان المصرية والسعودية تقدمان نموذجين مختلفين في النجاح؛ الأول يعتمد على الغاز والطاقة المحلية لتوسيع الإنتاج، والثاني يعتمد على التكامل العمودي والابتكار التكنولوجي، ولكي تستعيد سوريا مكانتها الصناعية، لا بد من صياغة استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين إعادة الإعمار الصناعي، الاستثمار العربي المشترك، وإدخال التكنولوجيا النظيفة، بما يجعل الصناعات الكيميائية محركاً أساسياً للنمو المستدام والتكامل الاقتصادي العربي.



































