شكّل عام 2025 مرحلةً فارقةً في مسار الاقتصاد السوري، إذ تقاطع التحول السياسي والاجتماعي فيها مع بداية عملية إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة من الكفاءة والشفافية.
فبعد سنوات من التعثر البنيوي وتراجع الأداء الإنتاجي، برزت الحاجة إلى مقاربة أكثر توازناً؛ تجمع بين انفتاح السوق وانضباط الإدارة العامة، في إطار ما يُعرف بـ “اقتصاد السوق المنضبط”.
وعلى الرغم من أن الصناعة تعد ركيزةً أساسيةً في هذا التحول لدورها المحوري في توليد فرص العمل وتعزيز القيمة المضافة ورفع التنافسية، إلا أن التجربة السابقة أظهرت أن الإصلاح الصناعي لا يمكن أن يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل يجب أن يرتكز على تخطيط بنيوي طويل الأجل ليعالج الأسس المؤسسية والتنظيمية التي يقوم عليها النشاط الصناعي.
وفي هذا السياق، كان للمرسوم التشريعي رقم 115 لعام 2025 أهمية خاصة، فقد أسّس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية بوصفه الإطار الوطني لتنسيق السياسات الاقتصادية والإشراف على تنفيذ الخطط التنموية، ووفر بيئة مؤسسية جديدة تسمح بمواءمة السياسات الصناعية مع السياسات الاستثمارية والمالية، ما أتاح أرضية مناسبة لصياغة رؤية تحليلية لاستراتيجية صناعية وطنية جديدة تتسق مع مبادئ الاقتصاد المنضبط والحوكمة الحديثة.
أولًا: التخطيط البنيوي كمدخل للإصلاح الصناعي
يعتبر التخطيط البنيوي أحد المسارات الرئيسة لإعادة بناء الاقتصاد السوري بعد عام 2025، فهو لا يعتمد فقط على وضع خطط كمية للإنتاج أو الاستثمار، بل يعمل على إصلاح البنية المؤسسية التي تنتج الاقتصاد نفسه، من خلال معالجة الاختلالات في منظومة: التمويل، التعليم المهني، الطاقة، والبحث العلمي، بالإضافة إلى تطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم العلاقة بين الدولة والسوق.
الجدول 1: البنية الإنتاجية
| المحور | الوضع الراهن | الملاحظات |
| نوعية الصناعة | (غذائية، نسيجية، مواد بناء) | يغلب عليها الطابع التقليدي، وبحاجة إلى توسيع قاعدة الصناعات التقنية |
| التوزع الجغرافي | تتركز في المدن الكبرى | تتصف بضعف التنمية الصناعية في المناطق الطرفية |
| هيكل الملكية | سيطرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة | يتصف بندرة الشركات الصناعية الكبرى |
حيث يتصف هذا النوع من التخطيط بطبيعة تكاملية، فهو يربط بين مستويات مختلفة من السياسات (الاقتصادية والاجتماعية والبيئية)، ويضع الصناعة في قلب العملية التنموية؛ بوصفها محركاً للنمو والإنتاجية، وهو ليس مجرد قطاع من قطاعات الاقتصاد.
ثانياً: ملامح الواقع الصناعي الراهن
أظهر تحليل الواقع الصناعي حتى عام 2024 أن القطاع واجه مجموعة من التحديات البنيوية التي تراكمت خلال سنوات طويلة من عدم الاستقرار، وتمثل أبرزها في: ضعف البنية التحتية، تشتت الإطار المؤسسي، محدودية التمويل، وضعف التكامل بين البحث العلمي والقطاع الإنتاجي.
من خلال ما سبق نرى أن التحدي الأساسي يكمن في غياب التكامل المؤسسي والوظيفي، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الكفاءة العامة للنظام الصناعي وتالياً يحدّ من قابليته للاستجابة لفرص النمو الإقليمي والدولي.
ثالثًا: الإطار المؤسسي الجديد ودور المرسوم 115 لعام 2025
من خلال قراءة المرسوم التشريعي رقم 115 لعام 2025 نرى أنه خطا خطوة محورية في إعادة بناء منظومة صنع القرار الاقتصادي في سوريا، فقد نصّ على تأسيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية ليكون هيئة عليا تُشرف على التخطيط التنموي وتنسق بين الوزارات والجهات العامة، ما أدى إلى تعزيز الانسجام بين السياسات القطاعية المختلفة، وربط الصناعة بالاستثمار والتمويل ضمن رؤية وطنية واحدة.
ومن هنا يمكن القول: إن المرسوم أوجد إطاراً مؤسسياً منضبطاً، يمكّن الدولة من متابعة تنفيذ الخطط وتقييم نتائجها، استناداً إلى مؤشرات أداء كمية ونوعية، ما أسهم في إدخال منهجية الحوكمة الاقتصادية، التي تقوم على الشفافية وتبادل البيانات، وتشجيع المشاركة بين القطاعين العام والخاص في وضع وتنفيذ السياسات الصناعية.
رابعاً: رؤية تحليلية لتطوير القطاع الصناعي
في ضوء قراءة الواقع الراهن والإطار المؤسسي الجديد، يمكن تصور استراتيجية صناعية تقوم على عدد من المحاور التكاملية، التي من شأنها أن تعزز مسار النمو المستدام وتفعل التخطيط البنيوي في السنوات القادمة، وهي:
تطوير الحوكمة والإدارة الصناعية
من المفيد أن تتجه الجهود نحو تعزيز الحوكمة المؤسسية عبر: تحديث التشريعات، تبسيط إجراءات الترخيص، والاعتماد على المنصات الرقمية في متابعة الأداء الصناعي؛ التي بدورها يمكن أن تسهم في رفع الشفافية وتقليل التكاليف الإدارية، بما يتيح بيئة أعمال أكثر تنافسية.
البنية التحتية والطاقة
تُظهر التجربة أن ضعف البنية التحتية يشكل أحد أهم العوائق أمام استدامة الإنتاج الصناعي، لذا من الملائم العمل على تطوير شبكات الكهرباء والنقل والمرافئ بالشراكة مع القطاع الخاص، مع إعطاء أولوية لمشروعات الطاقة المتجددة التي تخفّض التكلفة التشغيلية وتحسّن الميزة التنافسية للصناعات السورية.
الجدول 2: الطاقة والبنية التحتية
| المحور | الوضع الراهن | الملاحظات |
| إمدادات الكهرباء | انقطاع متكرر وارتفاع تكلفة التشغيل | عدم استقرار الإنتاج |
| النقل والخدمات اللوجستية | شبكات غير مكتملة | العمل جارٍ لتحسين المرافئ والطرق |
| الطاقة المتجددة | محدودة الانتشار | خطط لرفع مساهمتها تدريجياً حتى 2030 |
التمويل الصناعي والاستثمار
من المفيد أن يُعزّز التمويل الإنتاجي عبر أدوات جديدة، مثل: الصناديق التنموية المتخصصة والبنوك الصناعية، مع ربط الدعم الحكومي بمؤشرات الأداء الحقيقي كالتشغيل والتصدير.
ويُستحسن تطوير إطار قانوني يضمن للمستثمر الصناعي استقراراً ضريبياً وتشريعياً طويل الأجل، ما يرفع الثقة ويشجع على ضخ رؤوس الأموال في القطاعات التحويلية.
الجدول 3: التمويل الصناعي
| المحور | الوضع الراهن | الملاحظات |
| القروض الصناعية | محدودة وقصيرة الأجل | تتصف بضعف أدوات التمويل طويلة المدى |
| سياسات الدعم | غير موجهة بشكل دقيق | ضرورة ربط الدعم بالأداء الإنتاجي |
| بيئة الاستثمار | بدأت بالتحسن تدريجياً بعد المرسوم 115 | تتصف بارتفاع مستوى التنسيق بين الجهات الاقتصادية |
رأس المال البشري وبناء القدرات
يشير الواقع الحالي إلى فجوة بين التعليم المهني واحتياجات السوق، لذا يُقترح العمل على تعزيز برامج التدريب الصناعي الموجه، وإنشاء مراكز للتأهيل التقني داخل المناطق الصناعية، إضافة إلى توسيع مبادرات التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، كما يُعدّ استقطاب الكفاءات السورية في الخارج عنصراً مهماً لإعادة بناء القدرات الإنتاجية.
الجدول 4: العمالة ورأس المال البشري
| المحور | الوضع الراهن | الملاحظات |
| العمالة الصناعية | انخفاض نسبة العمالة الماهرة | بحاجة إلى برامج تدريب موجهة |
| التعليم المهني | غير متوائم مع متطلبات الصناعة | ضرورة تحديث المناهج وربطها بالمصانع |
| الكفاءات | في حالة هجرة مستمرة | بحاجة إلى بذل جهود كبيرة لإعادة استقطاب الكفاءات |
البحث العلمي والابتكار
من الضروري تطوير بيئة مشجعة للبحث التطبيقي عبر صندوق وطني للبحث الصناعي يدعم المشاريع التي تسهم في تطوير منتجات محلية ذات قيمة مضافة، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات مع الجامعات الإقليمية ومراكز الابتكار الدولية لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا.
| المحور | الوضع الراهن | الملاحظات |
| الإنفاق على البحث | منخفض جداً | بحاجة إلى رفع التمويل وتفعيل الشراكات |
| العلاقة بين الجامعات والمصانع | ضعيفة | يجري العمل على بناء مراكز بحث تطبيقية |
| الابتكار | محدود | العمل على تشجيع براءات الاختراع وحماية الملكية الفكرية |
الاستدامة البيئية والصناعة الخضراء
في ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات الكربونية، سيكون من المناسب اعتماد معايير بيئية وطنية موحدة وتحفيز المنشآت الصناعية على التحول إلى أنماط إنتاج أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، كما يمكن أن تشكل مبادرة “الصناعة الخضراء 2030” إطاراً وطنياً لتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات الصديقة للبيئة وإعادة التدوير.
خامساً: التحديات والفرص
من المتوقع أن تواجه عملية التحول الصناعي جملة من التحديات، أبرزها: محدودية الموارد المالية المخصصة للاستثمار الصناعي، وتفاوت القدرات التنفيذية بين المحافظات، وبطء بعض الإجراءات الإدارية على المستوى المحلي، والحاجة إلى تحديث المنظومة التشريعية بما يوائم اقتصاد السوق.
ومع ذلك، فإن المرحلة الراهنة تحمل أيضاً فرصاً كبيرة، أهمها: الاستقرار النسبي في البيئة السياسية والاقتصادية، انطلاق مشاريع إعادة الإعمار التي تزيد من الطلب على المنتجات المحلية، توسّع الشراكات الإقليمية مع الدول العربية والآسيوية، والتحول الرقمي الذي يتيح تجاوز بعض المراحل الصناعية التقليدية.
إن هذه التحديات والفرص تضع الصناعة السورية أمام مرحلة جديدة تتطلب توازناً دقيقاً بين الإصلاح السريع وضمان الاستدامة المؤسسية.
سادساً: الأثر المتوقع لتطبيق الرؤية المقترحة
إنّ تبنّي هذه الرؤية؛ من شأنه أن يؤدي إلى تحسين كفاءة الإنتاج الصناعي وزيادة مساهمته في الناتج المحلي، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق الإقليمية، كما يتوقع أن يسهم تطبيق التخطيط البنيوي في ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الأداء والنتائج، وتدعم استقلالية القرار الاقتصادي ضمن إطار من المساءلة والشفافية. حيث تشير التجارب الدولية المقارنة إلى أن هذا النوع من التخطيط، عندما يُنفّذ ضمن اقتصاد منضبط؛ تشرف عليه مؤسسات مستقرة، سيؤدي إلى مضاعفة الإنتاجية الصناعية خلال فترات زمنية متوسطة.
إن هذه القراءة التحليلية توضح أن مستقبل الصناعة السورية بعد عام 2025 يعتمد بدرجة كبيرة على مدى القدرة على تفعيل التخطيط البنيوي ضمن إطار منضبط ومنسّق، يربط بين السياسة الصناعية وبقية السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حيث وفّر المرسوم التشريعي رقم 115 لعام 2025 الأساس المؤسسي لهذا التوجه من خلال إنشاء المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، الذي يمكّن من إدارة التحول بأسلوب تشاركي وشفاف.
ومن هنا فإنّ الانتقال نحو اقتصاد إنتاجي يتطلب: تعزيز التنسيق المؤسسي، إعادة تأهيل البنية التحتية، تطوير التعليم المهني والبحث التطبيقي، إضافة إلى اعتماد معايير بيئية حديثة، فنجاح هذه الرؤية سيُسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس جديدة من الكفاءة والعدالة والاستدامة، ويجعل من الصناعة أحد الأعمدة الرئيسة للنهوض الوطني حتى عام 2030 وما بعده.
العالم الاقتصادي



































