يأتي يوم التحرير هذا العام بوصفه محطة تأسيسية تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، ليغدو لحظة متجددة في الوعي الوطني والاقتصادي السوري، فهو ليس تاريخاً يُستعاد فحسب؛ بل نقطة تحوّل عميقة أعادت رسم العلاقة بين السيادة السياسية والقدرة على بناء اقتصاد فعّال يستند إلى الكفاءة المؤسسية والرؤية الواضحة.
ومن هذا المنطلق، تحرص مجلة العالم الاقتصادي في هذا العدد الخاص على مقاربة هذا الحدث بوصفه منطلقاً لإعادة قراءة الواقع التنموي والاقتصادي، وليس مجرد مناسبة وطنية دورية
لقد مثّل التحرير تتويجاً لصمود طويل، لكنه في الوقت ذاته أطلق مرحلة جديدة من العمل المؤسسي الهادف إلى إعادة بناء الدولة على أسس حديثة قائمة على الشفافية، والكفاءة، والإدارة الرشيدة للموارد.
ومع دخول سوريا مرحلة التعافي، تبرز الحاجة إلى تبنّي مقاربات اقتصادية مبتكرة، تُعيد هيكلة القطاعات المنتجة، وتضع الصناعة في موقعها الطبيعي كدعامة مركزية للتنمية، وركيزة أساسية لترجمة انتصار السيادة إلى انتصار اقتصادي ملموس.
وفي هذا السياق، يقدّم ملف العدد قراءة تحليلية معمّقة لواقع الصناعة السورية، باعتبارها القطاع الأكثر قدرة على قيادة التحوّل الاقتصادي؛ فالصناعة ليست مجرد نشاط إنتاجي، بل عنصر من عناصر الاستقلال الوطني، وأداة رئيسة لخلق القيمة المضافة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتوسيع نطاق الصادرات، وخلق فرص عمل مستدامة.
ورغم ما تعرضت له البنية الصناعية من تدمير وضغوط خلال سنوات الأزمة، فقد أثبتت قدرة لافتة على التكيّف وإعادة النهوض، ما يجعلها مؤهلة للدخول في مرحلة جديدة من التحديث وإعادة الهيكلة.
ويركز الملف على دراسة تنافسية الصناعة السورية وتحسين بيئة الأعمال، وتبنّي سياسات تحفيزية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الوطنية، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتطوير الأطر التنظيمية المتعلقة بالإنتاج والاستثمار، كما يولي أهمية خاصة لربط الصناعة بالبحث العلمي والابتكار، وتوسيع سلاسل القيمة الإنتاجية في قطاعات حيوية مثل الصناعات الكيميائية والدوائية والهندسية والنسيجية، بما يضمن رفع جودة المنتجات وتعزيز القدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية.
إن تفعيل الدور الصناعي لا يمثل خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة وطنية تعبّر عن إرادة المجتمع في تحويل معاناة الحرب إلى طاقة بناء، وتعميم قيم التحرير على مختلف ميادين الإنتاج.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع اقتصادي وطني شامل، يعيد الاعتبار لقيم العمل، ويضمن التوزيع العادل للموارد، ويخضع القرارات الاقتصادية لمعايير المصلحة العامة، بما يرسّخ أسس السيادة الاقتصادية ويدعم استقرار الدولة.
يوم التحرير ليس مجرد ذكرى، بل دعوة مستمرة لتجديد الالتزام بمسار التنمية، والتأكيد أن السيادة السياسية لا تكتمل إلا باقتصاد منتج وقادر، ومن خلال هذا العدد، تسعى مجلة العالم الاقتصادي إلى تقديم رؤية تحليلية تستشرف المستقبل، وتواكب التحولات، وتساهم في بناء خطاب اقتصادي وطني متماسك يعكس روح التحرير ومقتضياته.



































