في خضمّ أزمة سكن تُعَدّ من الأعمق منذ عقدَين، أقرت وزارة الإعمار والإسكان العراقية بأن المجمّعات السكنية التقليدية فقدت قدرتها على تلبية الاحتياجات المتزايدة، إذ لا توفر 66 مجمعاً قيد التنفيذ سوى 18 ألف وحدة سكنية، مقابل حاجة تتجاوز 3 ملايين وحدة. ويعكس هذا الاعتراف حجم الفجوة السكنية واتّساعها في ظلّ ارتفاع غير مسبوق في أسعار العقارات، وتباطؤ مشاريع التطوير، وتراجع قدرة الأسر على تملك مسكن لائق.
ورغم إعلان الحكومة خططاً لإنشاء مدن سكنية جديدة تمتد حتّى عام 2030، يؤكد متخصصون أن المحافظات تواجه ضغوط الغلاء والركود، والمضاربة الواسعة على الأراضي، ما يجعل أزمة السكن ملفاً مركباً يتجاوز حدود الإنشاءات إلى سياسات إسكان غائبة وتخطيط حضري متعثر وحاجات اجتماعية متراكمة. أكّد المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان، نبيل الصفّار، أن أزمة السكن في العراق باتت معقّدة ومتشعّبة.
وبين، أن وزارته أكملت 21 تصميماً أساسياً في المحافظات، ستوفر ما يقارب 650 ألف وحدة سكنية حتّى عام 2030، إلى جانب المدن الجديدة الخاصة بمنتسبي وزارة الدفاع، التي بلغ عددها بين ست إلى سبع مدن اكتملت عقودها، وتؤمّن حوالى 10 آلاف وحدة إضافية، كما أن الهيئة الوطنية للاستثمار تعمل هي الأخرى على مشاريع سكنية توفر نحو 7 آلاف وحدة.
من جانبه، أكد الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن أنّ الاعتراف بعدم قدرة المجمعات التقليدية على معالجة أزمة السكن يمثل مؤشراً واضحاً على اتساع الفجوة السكنية في العراق، إذ تتجاوز الحاجة الفعلية اليوم 3 ملايين وحدة سكنية، بينما لا تنتج مشاريع الوزارة سوى 18,500 وحدة من أصل 66 مجمعاً قيد التنفيذ، وهو ما يعادل أقل من 1% من حجم الطلب الحقيقي، ويعكس فجوة كبيرة بين التخطيط والاحتياج الفعلي.
وأوضح حسن، لـ”العربي الجديد”، أنّ العراق يسجل نمواً سكانياً يتراوح بين 850 ألفاً إلى مليون نسمة سنوياً، ما يعني دخول أكثر من 150 ألف أسرة جديدة إلى السوق كل عام، وهو رقم يفوق بكثير قدرة الدولة على توفير وحدات سكنية ملبّية للطلب. وأضاف حسن أن تفاقم المناطق العشوائية بات عاملاً مركزياً في تعميق الأزمة، إذ يُقدّر عدد التجمعات غير النظامية بأكثر من 4 آلاف موقع على مستوى البلاد، تضم مئات الآلاف من العائلات وتفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنى التحتية.
وأكد، أن الأزمة ليست عمرانية فحسب، بل مرتبطة بغياب سياسة إسكان شاملة، وارتفاع تكاليف مواد البناء بنحو 30–40% خلال عامين، وضعف دور القطاع الخاص. مشدداً، على أن الحلّ يتطلب إصلاحات جذرية تشمل تفعيل سياسة الأراضي وتنظيم العشوائيات وتطويرها، وتوفير وحدات سكنية بأسعار ميسّرة تراعي تفاوت الدخل بين المحافظات، وصولاً إلى رؤية إسكانية شاملة تعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات الجزئية.
من جانب آخر، أكد المتخصّص في سوق العقارات، خالد العزاوي أن أزمة السكن في العراق لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو ضعف المعروض، بل تفاقمت خلال العامين الأخيرين بسبب دخول السوق في حالة ركود واضحة، تتمثل بتراجع حجم البيع والشراء بنسبة تتراوح بين 25% إلى 35% في أغلب المحافظات.
وبيّن العزاوي، خلال حديثه لـ”العربي الجديد”، أن ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير واقعية وصلت في بعض المناطق إلى زيادة تتجاوز 60%، ما خلق فجوة بين القدرة الشرائية للمواطن وبين القيمة السوقية للعقار، ما أدى إلى تجميد التداول وإحجام الأسر عن الشراء. وأوضح العزاوي، أن الركود الحالي ليس مؤشراً على انخفاض الأسعار، بل نتيجة طبيعية لانعدام التوازن بين العرض والطلب، إذ ما يزال الطلب الحقيقي على السكن يتجاوز 3 ملايين وحدة، بينما تواصل الأراضي والممتلكات التحول إلى أداة للمضاربة بدلاً من التطوير العمراني.
وأضاف أن العديد من المستثمرين يفضلون الاحتفاظ بالأراضي ورفع أسعارها بدل الدخول في مشاريع بناء فعلية، خصوصاً في بغداد والنجف وأربيل، حيث تُباع القطعة بأضعاف قيمتها الحقيقية دون أن تُطوّر.
وأشار إلى وجود محافظات تعاني من ركود مضاعف بسبب نقص الخدمات وغياب التخطيط العمراني، ما يجعل التطوير فيها مكلفاً وغير مجدٍ للمستثمرين، ما يتطلب ضرورة تبنّي سياسة عقارية وطنية تتضمن توفير أراضٍ مخدومة، وإطلاق مدن سكنية مهيأة للبناء، وفرض ضرائب على الأراضي المحتجزة، لأنّ الركود الحالي إذا استمر سيحوّل أزمة السكن إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أعمق، ويُبقي الأسعار في مسار تصاعدي منفصل عن دخل المواطن.



































