تحول فول الصويا من بذور غنية بالبروتين والألياف، إلى عنصر حاسم في مفاوضات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وفيما يعتبر مصدراً أساسياً للأعلاف الحيوانية وزيت الطهي، ظل فول الصويا نقطة اشتعال خلال فترات المد والجزر في النزاعات التجارية بين البلدين، من حرب التعرفات الجمركية خلال فترة ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى إلى ولايته الحالية.
أما أهمية هذه السلعة الغذائية، فتعود إلى أسباب مختلفة، أبرزها ثقل المزارعين في الانتخابات الأميركية بموازاة تحول الصين من مُصدّر لفول الصويا إلى أكبر مستورد عالمي.
وفي آخر التطورات، أعلن ترامب أنه تحدث مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الاثنين، وقال للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية يوم الثلاثاء: “أعتقد أنه سيُفاجئكم كثيراً من الناحية الإيجابية. سألته: أريدك أن تشتري أسرع، أريدك أن تشتري أكثر (سلع زراعية)، وقد وافق تقريباً على ذلك”.
حيث يأمل ترامب بتسريع مشتريات الصين من فول الصويا الأميركي بعد مقاطعة فعلية استمرت معظم العام رداً على توسيع تعرفاته الجمركية، وترافقت مع تحول بكين إلى أسواق أميركا الجنوبية.
وفي اليوم ذاته من تصريح ترامب، اشترت الصين ما لا يقل عن عشر شحنات من فول الصويا الأميركي بقيمة نحو 300 مليون دولار. وتراوح كل شحنة بين 60 و65 ألف طن وقالت مصادر “رويترز” أمس الأربعاء، إنّ من المقرر شحن جميع الشحنات في كانون الثاني.
لكنّ الصفقة الأخيرة لا تزال أقل بكثير من مشتريات الـ12 مليون طن التي أعلنها البيت الأبيض. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إنّ مشتريات الصين من فول الصويا الأميركي “تسير في موعدها” مشيراً إلى اتفاق مع بكين لشراء 87.5 مليون طن من المنتج الأميركي على مدى السنوات الثلاث ونصف السنة المقبلة.
وفول الصويا له أهمية بالغة للصادرات الزراعية الأميركية فهو يتصدر صادرات الأغذية الأميركية، ويمثل حوالي 14% من إجمالي السلع الزراعية المُصدَّرة إلى الخارج وكانت الصين أكبر مشترٍ أجنبي بفارق كبير.
ففي العام 2024، صدّرت الولايات المتحدة فول الصويا بقيمة تقارب 24.5 مليار دولار، واستحوذت الصين على أكثر من 12.5 مليار دولار هذا مقارنةً بـ 2.45 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي، ثاني أكبر مشترٍ، وفق “أسوشييتد برس” هذا العام، لم تشترِ الصين فول الصويا منذ أيار.
واتجهت الصين نحو البرازيل عندما شنّ ترامب حربه التجارية الأولى عام 2018. وفي العام الماضي، شكّل فول الصويا البرازيلي أكثر من 70% من واردات الصين، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة إلى 21%، وفقاً لبيانات البنك الدولي كما زادت الأرجنتين ودول أخرى في أميركا الجنوبية من مبيعاتها إلى الصين، التي اتّبعت سياسات تنويع مصادر دخلها لتعزيز الأمن الغذائي.
هذا الأمر أثار أزمة واسعة بين المزارعين، وهم من ضمن أقوى الفئات التي صوّتت لترامب بفارق ساحق، وأصبحوا أول ضحايا الحرب التجارية فيما يعلم ترامب أن أي تراجع في تصدير فول الصويا، سيؤدي إلى تراجع في مداخيل المزارعين ومن ثم غضب انتخابي محتمل ضد الإدارة.
وخلال الحرب التجارية في ولايته الأولى، صرف ترامب مبالغ تعويضية ضخمة مباشرة للمزارعين لمنع خسارة ولايات ريفية جمهورية مهمة انتخابياً، وكذا لدعم الولايات المتأرجحة انتخابياً خاصة أيووا وويسكونسين وميشيغن.
ويعتبر المزارعون كتلة تصويتية ملتزمة، ونسبة مشاركتهم بالتصويت عالية جداً ما يجعلهم كتلة انتخابية ثمينة، ليتحول ملف فول الصويا إلى جزء من استراتيجية ترامب الانتخابية للحفاظ على قلبه الريفي الجمهوري.
في المقابل، يُعد فول الصويا أساسياً في النظام الغذائي الصيني تُطحن معظم وارداتها وتُستخدم علفاً للخنازير، التي تُوفر معظم احتياجات البلاد من اللحوم وغيرها من الماشية كما يُستخدم زيت الصويا على نطاق واسع في الطهي والمنتجات الغذائية.
وهذه ليست المرة الأولى التي تُخفّض فيها الصين وارداتها من فول الصويا الأميركي؛ فقد فعلت ذلك أيضاً خلال الحرب التجارية 2018-2019، لمواجهة الرسوم الجمركية والقيود الأميركية التي فرضها ترامب في ولايته الأولى.
ساعد هذا الضغط على دفع إدارة ترامب الأولى إلى الموافقة على ما يُسمى باتفاق المرحلة الأولى. وبموجب هذا الاتفاق، تعهدت الصين بشراء سلع زراعية أميركية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، بما في ذلك فول الصويا، مقابل إعفاء من الرسوم الجمركية واتهم ترامب لاحقاً خليفته، الرئيس جو بايدن، بعدم تطبيق الاتفاق بما يكفي.
وأثر انخفاض مشتريات الصين على مزارعي فول الصويا في الولايات المتحدة، وفق “بلومبيرغ”، ففي جميع أنحاء الغرب الأوسط الأميركي، شهد المزارعون امتلاء صوامعهم مع تدفق الحصاد وحذّر باحثون في جامعة بيردو من أن ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذور والمواد الكيميائية، إلى جانب انخفاض أسعار فول الصويا، يُقلّص الأرباح.
واختار العديد من المزارعين تخزين محاصيلهم بدلاً من بيعها بخسائر فادحة امتدت آثار التباطؤ إلى جميع أنحاء الصناعة وتأثرت صوامع الحبوب، حيث تُخزن البذور الزيتية قبل تحميلها على السفن للتصدير، ومعامل المعالجة، وخطوط السكك الحديدية التي تنقل فول الصويا عبر البلاد، بالتباطؤ.
المصدر: العربي الجديد



































