تعتبر التربة أكبر مصدر طبيعي للكربون في العالم، وهي مسؤولة عن تغذية الكوكب بأكمله تقريباً وتنظيم دورة المياه التي يمكن أن تساعد في معالجة الجفاف والفيضانات وتخزين الكربون، لكنها مع ذلك لا تعد موضوعاً رئيساً في الأجندة المناخية والبيئية الدولية.
وتشير بعض الدراسات إلى أنه إذا زادت التربة الزراعية العالمية مخزونها الكربوني بنسبة 0.4% فقط سنوياً فيمكنها تعويض جميع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري السنوية تقريباً.
كما توجد في التربة ضعف كمية الكربون المخزنة في التربة مقارنة بكل الأشجار والنباتات على الأرض، ومع ذلك، فإن التربة الصحية فقط هي التي تخزن الكربون، في حين تطلق التربة المتدهورة الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
ويظهر تقرير جديد أن التربة تخزن أكثر من 2800 غيغا طن من الكربون في المتر العلوي منها، وهذه زيادة كبيرة مقارنة بالتقديرات السابقة التي بلغت 1500 غيغا طن، مما يعني أن التربة تخزن 45% من الكربون أكثر مما كنا نعتقد في السابق.
ووجد التقرير، الصادر عن مركز أبحاث أمن التربة في أرورا، واللجنة العالمية للقانون البيئي التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وحملة إنقاذ التربة أن 27% من انبعاثات الكربون اللازمة للحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض أقل من درجتين مئويتين، يمكن حجزها في التربة شريطة أن تكون في حالة جيدة.
ويعادل ذلك حوالي 3.38 غيغات طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً وعلى سبيل المقارنة بلغت الانبعاثات السنوية العالمية من الوقود الأحفوري في عام 2022 حوالي 36.8 غيغا طن.
كما تقدر القيمة الاقتصادية لخدمات النظم الإيكولوجية (البيئية) للتربة بأكثر من 11 تريليون دولار سنويا، حيث يؤدي كل دولار واحد من الاستثمار في تجديد التربة إلى ما يصل إلى 30 دولاراً من العائدات الاقتصادية، وفقا للتقرير.
وتقول برافينا سريدهارالمديرة التقنية لحركة إنقاذ التربة والمؤلفة المشاركة للتقرير: “إذا أردنا تحقيق أهدافنا المتعلقة بالانبعاثات، يتعين علينا أن ننظر إلى التربة باعتبارها كياناً حياً”.

ليست مجرد تراب
ولفترة طويلة، اعتُبرت التربة مجرد تراب، ومع ذلك فهي القشرة الحية للكوكب وكل حفنة من التربة السليمة والحية تُمثل نموذجاً مصغراً للحياة ومخزناً للكربون والماء.
وتؤكد سريدهار أن ضمان صحة التربة ليس مجرد واجب بيئي بل هو “مسؤولية تجاه الأجيال”، ومسألة ضرورية للتخفيف من آثار تغير المناخ.
ويشير التقرير إلى أن معدلات التدهور الحالية للتربة تهدد بإطلاق خزانات ضخمة من الكربون إلى الغلاف الجوي بما يصل إلى 4.81 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون كل عام، وهو ما يعادل تقريبا نفس الانبعاثات السنوية للولايات المتحدة.
في حين أن 40% من الأراضي على الكوكب متدهورة بالفعل، فإن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 90% بحلول عام 2050.
ويُحذّر التقرير من أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الحالية من تربة الولايات المتحدة وحدها تُعادل انبعاثات حوالي 75 مليون سيارة ولو أُطلق 1% فقط من الكربون في تربة أوروبا، لكان ذلك يُعادل الانبعاثات السنوية لمليار سيارة.
وغالباً ما يُعزى تدهور التربة إلى ممارسات زراعية غير مستدامة، وإزالة الغابات، والرعي الجائر، والزراعة المكثفة، كما يمكن أن يكون سببه عوامل طبيعية مثل تآكل التربة بفعل الرياح والأمطار.
ويشير التقرير إلى أن اتباع ممارسات زراعية مستدامة، مثل تناوب المحاصيل وزراعة محاصيل التغطية، التي تُضيف مواد عضوية إلى التربة وتُحسّن بنيتها، يُساعد في الحفاظ على صحة التربة، مع ضرورة تجنب المواد الكيميائية.
وتقول الدكتورة إيرين هوسر من المركز العالمي لحماية التربة واستعادتها التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ومجموعة قانون الزراعة المستدامة: “دون أهداف محددة لحماية التربة واستعادتها، نادرا ما تعطي البلدان الأولوية لها في قوانين المناخ الخاصة بها”.
ولا توجد معاهدة دولية شاملة محددة أو أي صك قانوني ملزم آخر بشأن أمن التربة، وهو ما يتطلب جهودا متضافرة من جانب صانعي السياسات والمزارعين والشركات والمستهلكين وغيرهم لتعزيز أمن التربة، للأجيال المقبلة بما في ذلك صحتها، كما تضيف هوسر.



































