ليست حكاية قصيرة، بل حكاية طويلة جداً، وفصولها متعددة وتطرح أسئلة كثيرة… نقصد هنا حكاية السوريين وسوريا مع قطاع الاتصالات منذ نشأته حتى هذه اللحظة، فكيف تشكّلت شركات الاتصالات في سوريا؟ من يملك القرار داخلها سابقاً واليوم؟ ولماذا يبدو المواطن دائماً الحلقة الأضعف في هذه الحكاية؟ هل حقاً المشكلة في “التكاليف التشغيلية” أم أن للأمر قصة أخرى؟!
كما بات يعلم الجميع، رفعت شركات الاتصالات في سوريا أسعار الباقات بشكل كبير ومبالغ فيه مؤخراً، وبررت الجهات الرسمية الزيادة في الأسعار بالقول إن شركات الاتصالات “خاصة ومستقلة مالياً وإدارياً”. لكن في الحقيقة، يبدو هذا الوصف بعيداً عن تجربة المواطن اليومية، وعمّا يعرفه السوريون عن علاقة المال بالسلطة خلال العقدين الماضيين، ولذلك، فالسؤال لم يعد تقنياً، ويدور حول كلفة التشغيل أو سعر الدقيقة، بل أصبح في الواقع، سياسياً واقتصادياً، فهل يمكن بالفعل الحديث عن استقلالية حقيقية لشركات الاتصالات في سوريا بعد كل ما جرى؟!
كيف بدأت الحكاية؟
لم يكن ظهور شركات الاتصالات في سوريا بداية الألفية خطوة تجارية عادية، بل بوابة إلى واحد من أكثر القطاعات حساسية وربحية في البلد، ففي عام 2001 مُنح مشغّلان فقط حق تشغيل الهاتف الخلوي عبر عقود تسمّى بلغة الاقتصاد عقود “بناء وتشغيل ونقل” (BOT)، ومدتها خمسة عشر عاماً، هما سيريتل وMTN.
نصّت تلك العقود على صيغة تقاسم للإيرادات مع المؤسسة العامة للاتصالات، بحيث تحصل الدولة على نسبة متزايدة تصل إلى نحو 50% من الإيرادات بعد السنوات الأولى من التشغيل، ما جعل القطاع من البداية شراكة وثيقة بين السلطة السياسية في حينه ورجال الأعمال المتعهدين بالتشغيل.
لاحقاً تغيّرت المعادلة على الورق دون أن تتبدل جوهرياً في الواقع، فابتداءً من عام 2015، حُوِّلت عقود BOT إلى تراخيص طويلة الأجل، لقاء رسوم ترخيص كبيرة دفعتها الشركتان للدولة مقابل «حرية أكبر» في إدارة الشبكات، لكن مع استمرار مبدأ تقاسم الإيرادات.
وهذه التراخيص الجديدة منحت سيريتل وMTN وضعاً أقرب للملكية شبه الكاملة للشبكات، مع بقاء جزء من العوائد ثابتاً لصالح الخزينة العامة للدولة.
ورغم الحرب والانهيار الاقتصادي، استمر هذا القطاع في توليد المال ومراكمته على حساب جوع السوريين وفقرهم، ولم يصل من هذه الأرباح للدولة سوى النذر اليسير أو “الفتات” بلغة الناس، ومن بين ما أعلن عنه أن الشركتين معاً دفعتا للحكومة نحو 130 مليار ليرة سوريا في عام 2021 تحت بند «حصة الدولة» من الإيرادات، في وقت كان المواطن يواجه تراجعاً حاداً جداً في الأجور والقدرة الشرائية.
بهذه الخلفية، يصعب التعامل مع شركات الاتصالات في سوريا كـ “قطاع خاص عادي” منفصل عن الدولة والسلطة، ما دامت العلاقة المالية كانت (ولا تزال) قائمة بين الطرفين على الشراكة العضوية والتقاسم.
نفوذ مخلوف وتحوّل السيطرة
لا يمكن الحديث عن سيريتل من دون التوقف عند رامي مخلوف، ابن خال المخلوع بشار الأسد، الذي شكّل لفترة طويلة رمزاً لارتباط الثروة بالسلطة، فمنذ بداية العقد الأول للألفية، تحولت سيريتل إلى أحد أعمدة إمبراطورية اقتصادية يديرها مخلوف، وأداة مالية تعتمد عليها السلطة في تمويل نفسها، وهو ما جعل الشركة هدفاً مبكراً للعقوبات الغربية بعد 2011.
في عام 2020 خرج الخلاف بين مخلوف وباقي أركان النظام إلى العلن؛ ظهرت فيديوهاته الشهيرة، ثم تبع ذلك حجز على أصوله، وصدور قرار بوضع سيريتل تحت الحراسة القضائية بقرار من محكمة سورية، بحجة وجود مبالغ كبيرة مستحقة للهيئة الناظمة للاتصالات.
لم يُقدَّم للرأي العام السوري حينها توضيح شفاف لمن آلت إليه السيطرة الفعلية على الشركة بعد ذلك، لكن تقارير صحفية دولية وحقوقية تحدثت عن انتقال إدارة الأصول إلى دائرة اقتصادية ضيقة مرتبطة بشكل مباشر بمراكز القرار الأمنية والسياسية.
بهذا المعنى لم تخرج سيريتل من عباءة النفوذ السياسي، بل تبدلت الأسماء وتحوّلت الملكية وظلت أحد أهم مداخل الفوائد المالية للسلطة السابقة، وحتى بعد التحولات العاصفة التي شهدتها البلاد وسقوط السلطة السابقة، فلا يوجد ما يشير إلى خروج سيريتل من حسابات السلطة والسياسة.
MTN بين الانسحاب والحراسة
قصة MTN سوريا بدت في البداية مختلفة، فالشركة دخلت السوق السوري عبر اسم “«أريبا” ضمن مجموعة استثمارية لبنانية، ثم انتقلت ملكيتها إلى مجموعة MTN الجنوب أفريقية، ما منحها صورة مشغّل أجنبي يعمل وفق معايير شركات الاتصالات العالمية. لكن مع مرور الوقت، اصطدمت الشركة بتشريعات متغيرة وضغوط تنظيمية ومالية متزايدة، إلى أن أعلنت المجموعة الأم في 2021 عزمها على الخروج من السوق السوريا، في إطار خطة للخروج من الشرق الأوسط عموماً.
خطة الانسحاب تزامنت مع تحرك قضائي من السلطات السورية بوضع MTN سوريا تحت “الوصاية القضائية”، بحجة إخلالها بشروط الترخيص والتسبب في خسائر للدولة، وتلا ذلك بيع حصة المجموعة الأجنبية إلى شركة «تيلي إنفست” المملوكة لمستثمرين محليين وإقليميين، لتصبح الشركة في الشكل أكثر “محلية”، لكنها في الجوهر دخلت هي الأخرى في شبكة مصالح داخلية تشبه ما حدث مع سيريتل.
وهكذا نجد أن شركات الاتصالات في سوريا انتهى بها المطاف تحت شكل من أشكال السيطرة القضائية – السياسية، في بيئة لا تسمح فعلياً بمساءلة مستقلة أو منافسة حقيقية.
قصة المشغل الثالث..
بالتوازي، وفي عام 2022 تحديداً، مُنحت شركة “وفا تليكوم” ترخيصاً لتكون المشغل الخلوي الثالث في سوريا، في خطوة قُدمت رسمياً على أنها توسيع للمنافسة وتحسين للخدمات، لكن أشارت المعطيات إلى روابط وثيقة بين هذه الشركة ومصالح إقليمية، أبرزها ارتباطات بجهات إيرانية وبشخصيات سوريا مكرّسة كأذرع اقتصادية للأجهزة الأمنية، ما جعل دخول المشغل الثالث أقرب إلى إعادة توزيع الحصص داخل الحلقة الضيقة المسيطرة، أكثر من كونه فتحاً للسوق أمام منافسين مستقلين.
وما بعد سقوط سلطة الأسد في 8 كانون الأول 2024 لم تعرف أي معلومات خاصة بـ “وفا” ولا حول الشكل الذي ستأخذه ملكية البنية التحتية التي بدأت بإنشائها، حتى أن المكتب الرسمي لـ”وفا تيلكوم” في دمشق ما زال موجوداً ومغلقاً منذ حوالي عام دون أي تغيير فيه.
الواقع الحالي لشركات الاتصالات
وسط هذه الوقائع، يبدو الحديث الرسمي الجديد عن أن شركات الاتصالات في سوريا «خاصة ومستقلة مالياً وإدارياً» وصف منقوص على الأقل، فالعقود القائمة بُنيت على أساس تقاسم مباشر للإيرادات مع الدولة، والجهة المنظمة للقطاع (الهيئة الناظمة للاتصالات) هي نفسها المستفيد الأول من ارتفاع أسعار الخدمات، لكونها تحصل على نسبة مئوية من كل ليرة يدفعها المشترك. وعندما تكون الجهة التي تضع القواعد وتراجع الأسعار شريكاً مالياً في الأرباح، يصبح من الصعب الحديث عن استقلال تنظيمي حقيقي، أو عن حماية فعلية لحقوق المستهلك.
ووفق المعطيات المتوفرة حالياً، فإن سيريتل تُدار شكلياً عبر مجلس إدارة جديد يرأسه أحمد يحيى مقصومة، وهو الاسم المقيَّد رسمياً في إفصاحات هيئة الأوراق والأسواق المالية، لكن تحقيق صحفي نشرته «رويترز» يشير إلى أن القرار الفعلي لا يصنعه هذا المجلس وحده، بل يمر عبر لجنة اقتصادية ضيقة مرتبطة بالسلطة، تمسك بخيوط الأصول الكبرى التي كانت يوماً جزءاً من «إمبراطورية الأسد الاقتصادية»، ومن بينها سيريتل.
وسيرتيل نفسها ردّت على تحقيق «رويترز» بالقول إن جزءاً مما ورد فيه غير دقيق دون أن تحدد موضع الدقة أو عدم الدقة فيه، ولم تقدّم إجابة على طلبات التوضيح.
تبدو MTN سوريا في وضع ملتبس أيضاً؛ فهي قانونياً مملوكة بأغلبيتها لشركة تيلي إنفست، بينما وُضعت شركة MTN سوريا نفسها تحت الحراسة القضائية منذ 2021، بحيث تُسند الإدارة اليومية إلى حارس قضائي عيّنته المحكمة (وكان في البداية رئيس مجلس إدارة تيلي إنفست قبل أن يتغيّر لاحقاً).
وتظهر المعطيات أن تيلي إنفست وشركات وسيطة أخرى جزء من شبكة رجال أعمال مرتبطة بدوائر الحكم، وأن ملف MTN – مثل سيريتل – يتأثر عملياً بقرارات لجنة اقتصادية سرّية تعيد توزيع النفوذ داخل قطاع الاتصالات، ما يجعل الشركتين تبدوان «شركات خاصة» شكلياً، فيما تمر قراراتهما الفعلية عبر قنوات السلطة السياسية الجديدة.
إلى جانب ذلك، تغيب الشفافية عن تفاصيل التراخيص وشروطها، فلا تُنشر العقود، ولا تُعرض نسب حصة الخزينة ومدة الالتزامات الاستثمارية والتغطية بشكل يمكن للخبراء أو الجمهور مراجعته، فالمواطن الذي يدفع فاتورة متزايدة لا يعرف ما إذا كانت هذه الفاتورة تموّل تحسين الشبكة وجودة الخدمة، أم تُستخدم لسد عجز الموازنة، أم تدخل في حسابات أطراف نافذة تستفيد من القطاع دون رقابة.
الآن.. ما العمل؟!
ختاماً، مع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، تتحول شركات الاتصالات في سوريا إلى اختبار مبكر لجدية أي مشروع إصلاح/تغيير اقتصادي ومؤسساتي، لأن إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تمرّ عبر ملفات كهذه، حيث يتقاطع المال العام مع حياة الناس اليومية.
ولتحقيق ذلك والسير نحوه، ينبغي البدء بمراجعة شاملة لعقود التشغيل القائمة ونشر ملخصات واضحة عنها للرأي العام، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة فعلاً لا تمتلك حصصاً في الشركات، ولا تعتمد ميزانيتها على عائدات القطاع لحماية حقوق المستهلك.
يضاف إلى ذلك، إنشاء وتمكين أدوات بسيطة وفعّالة تعزز الثقة بين القطاع وجهاز الدولة والمشترك، منها على سبيل المثال مؤشرات معلنة لجودة الخدمة وسرعة الإنترنت ونطاق التغطية، وآليات شكوى واضحة وشفافة، وحق الاطلاع على كيف تُحدَّد الأسعار ولماذا ترتفع الآن كما ارتفعت في زمن الحرب والفساد والنهب الكبير الذي مارسته سلطة الأسد؟! فعندما يدرك المستخدم أن ما يدفعه يذهب إلى شبكة واضحة من الالتزامات والاستثمارات والخدمات، يصبح الحديث عن “الاستقلالية” أكثر صدقية، ويتحول قطاع الاتصالات من صندوق مغلق إلى نموذج لاقتصاد يخضع للمساءلة، لا لشبكات النفوذ.
المصدر: المدن



































