تدخل السعودية والولايات المتحدة مرحلة متقدمة من التنسيق في قطاع التعدين والمعادن الحيوية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على الصناعات الأميركية نتيجة الهيمنة الصينية شبه الكاملة على سلاسل التوريد العالمية.
وتأتي هذه التحركات استجابةً مباشرةً لمحاولة واشنطن تنويع مصادرها وتقليص اعتمادها على بكين، خاصة بعد الإجراءات التشديدية التي فرضتها الصين على تصدير العناصر الأرضية النادرة وتقنيات معالجتها.
وتكشف البيانات الأميركية حجم التحدي الجيو اقتصادي، إذ تهيمن الصين على نحو 90% من قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة في العالم، وتنتج ما يصل إلى 93% من المغناطيسات الأساسية للأنظمة الدفاعية والسيارات الكهربائية، وفقاً لتحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وتصاعدت المخاوف بعد إعلان بكين في تشرين الأول الماضي، تطبيق قواعد جديدة تخضع المغناطيسات المنتجة خارج الصين لضوابط إضافية إذا احتوت على مواد خام صينية أو استخدمت تقنيات صينية في المعالجة.
ووفقاً لمعهد أبحاث الطاقة الأميركي، تعتمد الولايات المتحدة على الصين بنسبة 70% من واردات العناصر الأرضية النادرة، ونحو 93% من مركبات الإيتريوم المستخدمة في الإلكترونيات والمعدات الطبية، ما يجعل الأزمة أكثر حساسية.
وتزامن هذا الضغط مع سلسلة لقاءات أجراها وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريف في الرياض مع وزير الداخلية الأميركي ورئيس المجلس الوطني لهيمنة الطاقة دوغ بورغوم، بحسب وكالة الأنباء السعودية “واس”، في خطوة تعكس رغبةً مشتركةً في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد.
وتمتلك المملكة ثروة معدنية تقدّر بأكثر من 2.5 تريليون دولار، ووقّعت مذكرات تعاون تشمل الاستكشاف المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة للمعادن الحيوية.
كما وقعت شركة “معادن” اتفاقية مع “إم بي ماتيريالز” الأميركية لبناء سلسلة قيمة متكاملة تمتد من التعدين إلى صناعة المغناطيسات، على أن يبدأ الإنتاج في 2028، وفقاً لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وتتوافق هذه التطورات مع أهداف رؤية السعودية 2030 التي تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي من 17 مليار دولار حالياً إلى 75 مليار دولار بحلول 2030، إلى جانب جذب استثمارات تقدر بـ100 مليار دولار.
وتظهر تقديرات معهد أبحاث الطاقة أن تطوير قدرات معالجة محلية داخل المملكة يمكن أن يضاعف العائدات ويعزز قدرتها على التنافس في السوق العالمية للمعادن الحيوية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام كما هو الحال سابقاً.
ومع ذلك، لا يشكل كسر الاحتكار الصيني مهمة قصيرة المدى، إذ يشير محللون إلى حاجته إلى التزام سياسي وتقني طويل الأمد قد يستغرق عقداً كاملاً، بالنظر إلى تعقيد سلاسل القيمة الخاصة بالعناصر الأرضية النادرة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التعاون السعودي – الأميركي مساراً محتملاً لبناء بديل طويل الأجل للهيمنة الصينية، خصوصاً في وقت تتزايد فيه المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد لمواد حيوية تدخل في مكونات صناعات المستقبل.
ويشير الخبير الاقتصادي علي سعيد العامري إلى أن ملامح هذا التعاون ظهرت بوضوح منذ زيارة الوفد السعودي رفيع المستوى إلى واشنطن في تشرين الأول 2024، واستمرت في 2025 من خلال توقيع سلسلة من مذكرات التفاهم.
ويرى العامري أن الاستراتيجية الأميركية لتقليل الاعتماد على الصين باتت متقدمة ومنظمة، خصوصاً مع سيطرة بكين حالياً على ما بين 60% و80% من إنتاج الليثيوم والنيكل والكوبالت، إضافة إلى العناصر الأرضية النادرة التي تستخدم على نطاق واسع في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
ويشير إلى أن تقريراً أصدرته إدارة الرئيس السابق جو بايدن عام 2022 بعنوان “الأمن الاقتصادي للمعادن الحرجة” وضع هدفاً واضحاً بتنويع مصادر المعادن بنسبة 50% بحلول 2030، وهو هدف يمكن للسعودية أن تساهم فيه نظراً إلى امتلاكها احتياطيات معدنية تقدر بـ1.3 تريليون دولار، وفق تقرير وزارة الصناعة والثروة المعدنية لعام 2024.
ويضيف العامري أن الاتفاقيات التي وقّعتها السعودية والولايات المتحدة عام 2025 للاستكشاف المشترك وتطوير المناجم تأتي مدعومة بتمويل أميركي يصل إلى 500 مليون دولار من وزارة الطاقة الأميركية، في إشارة إلى جدية واشنطن في إيجاد بدائل عملية.
ويرى أن هذا التعاون يمنح السعودية مكاسب اقتصادية مهمة تشمل تدفق استثمارات أميركية كبرى ونقل تقنيات متقدمة في الاستكشاف الجيوفيزيائي والمعالجة الكيميائية، ما يقلل التكاليف التشغيلية بنسب تتراوح بين 15% و20%.
كما يتوقع أن يؤدي التوسع في قطاع التعدين إلى خلق نحو 100 ألف وظيفة بحلول 2030، مع برامج تدريب وتأهيل بالتعاون مع جامعات أميركية مثل MIT، بما يعزز قدرة المملكة على بناء قطاع صناعي قائم على المعرفة.
امتيازات استراتيجية
وعلى المستوى الجيوسياسي، يشدّد العامري على أن الشراكة مع واشنطن تمنح المملكة امتيازات استراتيجية، من بينها تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة وفتح أبواب أسواق عالمية محمية مثل أسواق الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى بدوره إلى تخفيف اعتماده على الصين.
ويوضح أن هذه المكاسب تخفف من مخاطر الاضطراب في سلاسل التوريد أو التلاعب بالأسعار، وتمنح المملكة موقعاً متقدماً في قطاع يعد إحدى ركائز اقتصاد المستقبل.
ويرى الخبير الاقتصادي رائد المصري أن التعاون السعودي الأميركي في مجال المعادن يتجاوز البعد التجاري إلى بعد استراتيجي أوسع، إذ يمثّل أحد أهم المحاور في إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية.
ويشير إلى أن المعادن النادرة تمثل أساساً لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية والبطاريات، وأن التحالف بين الرياض وواشنطن يضمن للمملكة موقعاً محورياً في تلبية الطلب المتزايد على هذه الموارد الحيوية في الأسواق العالمية.
ويضيف المصري أن المملكة تعمل على بناء منصة عالمية متكاملة لاستكشاف وتعدين ومعالجة المعادن الحرجة، إضافة إلى إنشاء مراكز ابتكار تدعم التقنيات التعدينية الناشئة.
ويرى أن هذه الخطوات تفتح الباب واسعاً أمام خلق فرص عمل نوعية وتمنح المملكة موقعاً ريادياً بين الاقتصادات الصاعدة، بما يتماشى مع توجهات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد والابتعاد التدريجي عن الاعتماد على النفط.
المصدر: العربي الجديد



































