أوقفت السلطات المحلية في مدينة الدبة شمال السودان إجراءات شحن البضائع إلى ولايات دارفور ومنعت استخراج التصاريح الخاصة عقب استيلاء الدعم السريع على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور وبررت السلطات قرارها بعدم استتباب الأمن واستمرار عمليات النهب والسلب التي يتعرض لها التجار في طريقهم إلى الإقليم.
وسبق أن منعت مليشيا الدعم السريع في تشرين الأول من العام 2024 مرور المنتجات الزراعية والحيوانية والمعادن من المناطق التي تسيطر عليها بولايات دارفور إلى الولايات التي تخضع لسيطرة القوات المسلحة السودانية، ما أدى إلى استخدام التجار طرقاً بديلة تقضي بارتفاع أسعار الترحيل، في وقت تفرض فيه الدعم السريع رسوماً عالية، كما تتعرض السلع الواردة إلى شمال السودان لعمليات نهب وسلب، ما أدى إلى تعقيد حركة التجارة الداخلية وتفاقم الأزمة الاقتصادية في عدد من الولايات وتأثر التجار سلباً بهذه الإجراءات.
وحذّر اقتصاديون من حدوث ندرة ونقص في الغذاء والمياه بمناطق دارفور مع تراجع المساعدات الإنسانية بعد اجتياح المليشيات لمدينة الفاشر، في حين رأى آخرون أن إقليم دارفور له علاقات تجارية مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان ومع كامل دول غرب أفريقيا عبر تشاد يمكنه أن يسد النقص الذي يمكن أن يحدث في الإقليم.
ولا تزال منظمات دولية تشكو من عدم السماح لها بالوصول إلى مدينة الفاشر، بينما تؤكد مليشيا الدعم السريع أنها تعمل على نزع الألغام وتهيئة المدينة لعودة السكان.
وأفاد متطوعون في أحاديث مع “العربي الجديد” بنزوح يومي يتراوح بين خمسين إلى سبعين أسرة إلى مدينة الطينة، بعد فرارهم من الفاشر، مشيرين إلى أنّ النازحين يعانون من نقص حاد في المياه والغذاء والإيواء.
وأوقفت السلطات المحلية في الولاية الشمالية “محلية الدبة” شحن جميع أنواع السلع والمواد الغذائية بجميع أنواعها إلى ولايات دارفور وكردفان والتي تخضع حالياً لسيطرة مليشيا الدعم السريع، وشمل القرار جميع أنواع السلع بلا استثناء ما أدى إلى توقف حركة الشحن بشكل كامل، في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية بإقليم دارفور ارتفاعاً في الطلب على المواد الأساسية.
وأكد محمد إسماعيل تاجر بولاية شمال كردفان لـ”العربي الجديد” أن التجار بدأوا في الاعتماد على السلع المهربة بطرق غير رسمية ما أدى إلى ارتفاع أسعارها، في وقت تتزايد فيه احتياجات المواطنين للسلع، ما يعكس تحولاً في مسارات التجارة الداخلية نتيجة للقيود المفروضة من السلطات المحلية بالولاية الشمالية.
ويرى الاقتصادي هيثم فتحي لـ”العربي الجديد” أن هنالك علاقة وثيقة بين الاستقرار الأمني وما حدث بالفاشر والمناطق المحيطة بها ما ينبئ ببوادر انهيار اقتصادي بالتزامن مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية مع زيادة ملحوظة في معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للمدنيين بسبب النزوح وعدم الاستقرار. وأضاف سيؤثر عدم الاستقرار على أغلب الأسر ويجعلهم غير قادرين على تأمين المستلزمات الأساسية وفي مقدمتها المواد الغذائية الضرورية.
وحذر من أن الاستثمار الوطني وحركة التجارة السودانية في السودان عموماً ودارفور خصوصاً وشمالها بالأخص سيواجه الكثير من المشاكل مما يجعل مسيرته متعثرة، وقال إن أهم المشاكل التي تدفع المستثمرين لتجنب الدخول في استثمارات متوسطة أو كبيرة هو غياب الأمن الذي يتجلى في العمليات العسكرية وغياب الأمن الداخلي.
وبين أن سيطرة المليشيا على دارفور تمثل تحولاً استراتيجياً بالغ التأثير في ميزان الصراع نظراً لموقع الإقليم الذي يربط السودان بتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، خاصة وأن هذا الامتداد الحدودي يمنحها منفذاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً خارج سيطرة الحكومة، ويفتح أمامها فرصاً لتأمين خطوط إمداد والحصول على دعم أو ملاذات من جماعات مسلحة في تلك المناطق الهشة.
وقال: إن الحصار الذي فرضته المليشيا على الفاشر تسبب في إغلاق معظم الطرق التجارية ومنع وصول البضائع والمساعدات، وخلق أزمة إنسانية طاحنة ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء والوقود، وتحولت المدينة إلى جزيرة معزولة بلا اتصالات ولا إمدادات، وتدور في أطرافها المعارك يومياً، والآن ستزيد هذه الأزمة الإنسانية.
ولفت إلى أن مدينة الفاشر وما حولها قد تعرضا لتدمير ممنهج على مدى السنوات، وباندلاع حرب 15 نيسان خرجت عن الخدمة منشآت حيوية تضم مستشفيات ومدارس نتيجة القصف والاستهداف المتكرر، ودمر عدد من الأحياء السكنية أو أصبحت غير قابلة للسكن، فيما يعيش عدد كبير جداً من السكان على المساعدات الإنسانية، نصفهم من الأطفال والنساء وكبار السن، وقد زادت الاحتياجات الإنسانية في المنطقة بنسب كبيرة جداً خلال هذه الحرب.
حلول تجارية بديلة
ولكن الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان في حديث لـ”العربي الجديد” قال إن إقليم دارفور له علاقات تجارية مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان ومع كامل دول غرب أفريقيا عبر تشاد، إذن الحديث عن منع السلع من الذهاب إلى دارفور يعتبر حديثاً ساذجاً لا معنى له، وهناك مطارات دولية تستقبل السلع من الإمارات العربية المتحدة مباشرة.
ورأى أن أي إغلاق للتجارة مع دارفور يعتبر قراراً خاطئاً تماماً لأنه يفتح الباب أمام سلع دول غرب أفريقيا ويتغير ميل المستهلك في دارفور ولن يتقبل بعدها السلع القادمة من الخرطوم، تماماً كما حدث عندما منعت السلطات في عهد الرئيس السابق عمر البشير دخول السلع إلى جنوب السودان، فتحول المستهلك إلى سلع أوغندا وكينيا ولم يعد راغباً في السلع السودانية.
أما الخبير الاقتصادي محمد الناير فقال لـ”العربي الجديد” إن حركة التجارة أو السلع بالتأكيد معدومة حالياً، ومعظم مواطني دارفور يعتمدون على المساعدات الإنسانية مع وجود تعقيدات تجارية، وبالتالي لا توجد حركة تجارية للسلع في كل أنحاء الإقليم.
وأضاف أنه في ظل الظروف الراهنة تصعب الحركة التجارية لما تجده من صعوبات وتعقيدات، خاصة في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات الدعم السريع لما تفرضه من رسوم وتعقيدات أمنية بالغة الخطورة، وهذا من شأنه التأثير على المواطنين في كيفية تأمين الغذاء والدواء والسلع الأساسية، خاصة التي يعتمد عليها الإقليم من شمال السودان والتي تستورد من مصر.
المصدر: العربي الجديد



































