لا يمكن الحديث عن حال الاقتصاد السوري، أو عن استنهاض الحالة الاقتصادية في سوريا، بمعزل عن السياسة، سواء تلك المتعلقة بإدارة البلد، وضمنها الاستقرار السياسي والاجتماعي، أو المتعلقة بعلاقات سوريا الخارجية، ومكانتها على الصعد العربية والإقليمية والدولية، ويأتي ضمن ذلك موقف الأطراف الخارجية المعنية منها، وتالياً مصير العقوبات التي فُرضت عليها، طوال العقود الماضية، من حكم نظام الأسد (الأب والابن).
تركة ثقيلة جداً
على الصعيد الداخلي، من الواضح أن سوريا تعاني تركة ثقيلة جداً؛ إذ كانت القطاعات الاقتصادية، الإنتاجية والخدمية، وكذلك التبادلات التجارية، تخضع لهيمنة الدولة، وبالأحرى هيمنة السلطة، التي تتمثل بحلقة ضيقة تهيمن على كل تلك القطاعات، على نحوٍ مباشر، أو غير مباشر، قانوني، وغير قانوني.
نتيجة لما تقدم، فإن جزءاً كبيراً من الموارد، أو العوائد، أو المدخلات المالية، وغير المالية لم تكن تصبّ، في نسبة كبيرة منها، في مصلحة خدمة التراكم الرأسمالي، أو في مصلحة تطوير الاقتصاد، بقدر ما كانت تصب في جيب السلطة، أو في مصلحة بيروقراطية السلطة، إضافة إلى إنها تصبّ في مصلحة تضخيم أجهزة السلطة الأمنية ـ القمعية.
نجم عن هذا الوضع، تضخم جهاز السلطة، الأمني والبيروقراطي والدعائي، الذي اقتطع جزءاً كبيراً من موارد البلد، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك؛ إذ إن ذلك أدى إلى جمود القطاعات الاقتصادية، بحيث باتت نسبة النمو أقل من نسبة التزايد السكاني؛ أي نسبة سلبية، كما أدت إلى تخلف تلك القطاعات، بمعنى تخلف إدارتها، وأدواتها، التي لم تستطع مواكبة التطورات التكنولوجية والعلمية، التي أتاحت المجال للعديد من الدول النامية أن تطور اقتصاداتها.
وما دام النظام في سوريا في خدمة العائلة؛ أي يفتقد لقواعد تأسيس الدولة، كدولة قانون ومؤسسات ومواطنين، فقد بدا أن ثمة تناسباً عكسياً، بين ازدياد الثروة في يد العائلة الحاكمة، وأقطاب النظام، من الحلقة الضيقة المستفيدة منها، وازدياد نسبة الفقر، وتبديد الموارد.
العقوبات تفاقم الأزمة
في هذه الظروف الصعبة أتت العقوبات الأمريكية على سوريا لتفاقم من حدة الأزمة الاقتصادية، وتقييد القطاعات الإنتاجية السورية، وافقار الاقتصاد السوري، كماً ونوعاً، بخاصة أن تلك العقوبات لم تقتصر على تقييد التبادل التجاري، أو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية؛ بل إنها امتدت لتشمل منع دخول منتجات حيوية للقطاعات الانتاجية، وضمن ذلك التقنيات الحديثة، والمواد، والمدخلات، الأولية الضرورية لتلك القطاعات، وهو الأمر الذي زعزع الاستقرار الاقتصادي، وأخّر على نحوٍ كبير قطاعات الإنتاج الصناعي، على ضعفها، وتخلفها، وهو ما أدى بالتالي إلى اختلال التبادلات التجارية.
تبعاً لذلك، فإن أيّ تطور في النشاط الاقتصادي يتطلب انهاء العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، أولاً لتمكين السوريين من النهوض بالقطاعات الاقتصادية، الإنتاجية والخدمية. وثانياً من أجل تمكين السوريين من التكنولوجيا الحديثة اللازمة لتطوير تلك القطاعات. وثالثاً، من أجل فتح مسار المبادلات الخارجية، بعد إزالة كل العوائق.
ما يفترض أخذه في الاعتبار أن سوريا، على صغر حجمها، وعدد سكانها، تمتلك موقعًا جيوستراتيجيًا حيويًا، وثروات طبيعية، وموارد متنوعة، كما تمتلك كوادر قادرة، وشعبًا معروفاً، لديه خبرة في الصناعة والتجارة ومتعطشًا للفرص، وإرادة جامحة للتعويض عما فات خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال الـ 14 سنة من الصراع ضد النظام البائد.
الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة
قبل العام 2011، على سبيل المثال، كانت الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة تتراوح بين 300 و 400 مليون دولار سنويًا، وتشمل المنسوجات والمنتجات الزراعية، وهو ما يعكس نشاطًا اقتصاديًا مهمًا في بعض القطاعات. لكن بعد العام 2011، تراجعت تلك الأرقام تراجعاً حاداً؛ إذ لم تتجاوز الصادرات السورية إلى السوق الأمريكية 11.18 مليون دولار في العام 2024، وتركزت في سلع محدودة مثل بذور التوابل، وأحجار البناء، والتحف والمنتجات الحرفية.
هذا الانخفاض الحاد لا يرتبط، فقط، بضعف قدرة الإنتاج السوري، والعوائق البيروقراطية، والفساد السلطوي؛ بل يرتبط أيضاً بالعقوبات المفروضة على سوريا، وعلى رأسها “قانون قيصر”، الذي جمّد إمكانات التعاون الاقتصادي، وحدّ من إمكانيات النفاذ للأسواق الخارجية، ومن إمكانيات توريد لوازم تطور الإنتاج.
أيضأ، في المثل الأميركي، والذي يصح على كل الدول الغربية، وبالرغم من تواضع حجم التبادل التجاري الحالي، مع الولايات المتحدة، إلا أن الأرقام تؤكد وجود فرصة حقيقية لنسج علاقات اقتصادية تساهم في تطور الاقتصاد السوري، وهذا ما يقود إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني في البلد. بيد إن ذلك يحتاج إلى رفع نهائي للعقوبات التي لم يعد ثمة حاجة إليها، بعد أن انتفت أسبابها بانهيار النظام السابق.
باختصار، سوريا تحتاج في مرحلة إعادة الاعمار واستنهاض الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة، إلى استيراد التكنولوجيا، والآلات الثقيلة، وأدوات الإنتاج المتطورة، ووسائل النقل الحديثة، كما هي بحاجة إلى فتح الأسواق الخارجية أمام السلع السورية، الصناعية والزراعية، لتحقيق نقلة نوعية في قطاعي الصناعة والزراعة، وخلق فرص عمل تساهم في استعادة الطبقة الوسطى مكانتها، باعتبارها محفزاً للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
المصدر: المدن



































