يتوافد أقطاب مال وأعمال من حول العالم إلى العاصمة السعودية الرياض الأسبوع المقبل للمشاركة في مؤتمر المملكة الرائد للاستثمار، وذلك للمرة الأولى منذ بدء الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب الذي يتوافق شغفه بالمشاريع هائلة التكاليف مع الخطط الكبرى التي تتبناها المملكة.
وكان ترامب قد شارك شخصياً في نسخة سابقة لهذا المؤتمر خلال ولايته الرئاسية الأولى.
ويأتي انعقاد مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” وسط وقف إطلاق نار هش توسطت فيه الولايات المتحدة لوقف الحرب في غزة، ووسط توتر إقليمي متصاعد، فضلاً عن ضغوط متزايدة تتعرض لها المملكة لتثبت أن التحول الاقتصادي الواسع الذي تشهده ليس مجرد دعاية صاخبة.
وكانت أكبر دولة مُصدِّرة للنفط في العالم قد استغلت النسخ السابقة من هذا المؤتمر لاستعراض خططها الطموحة وإبرام الصفقات لجذب الاستثمار الأجنبي، بالتزامن مع استضافة مسؤولي دول وقادة أعمال من حول العالم تحت القباب الذهبية لمركز المؤتمرات الفخم.
ومن الشخصيات المتوقع حضورها هذا العام الرئيس الكولومبي غوستابو بيترو، ولاري فينك رئيس “بلاك روك” أكبر شركة في العالم لإدارة الاستثمارات، وجيمي ديمون الرئيس التفيذي لبنك “جيه.بي مورغان” الاستثماري الامريكي، وجين فريزر الرئيسة التنفيذية لـ”سيتي بانك” والتي أصبحت يوم الثلاثاء الماضي الرئيسة المشاركة لمجلس الأعمال الأمريكي السعودي. كما ستشارك شخصيات بارزة من قطاعي التكنولوجيا والطاقة مثل ليب بو تان من “إنتل” وأمين الناصر من أر”امكو السعودية”.
وكانت الرياض قد التزمت باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال زيارة ترامب للمملكة في مايو/أيار الماضي. لكن السعودية تسعى جاهدة أيضاً لجذب رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل الرؤية الاقتصادية التي يتبناها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرامية إلى تقليص الاعتماد على النفط والغاز.
غير أن تنفيذ عدد من مشاريع هذه الرؤية تأخر أو توقف مؤقتاً في ظل انخفاض أسعار النفط وتصاعد العجز في الميزانية، مما أجبر المملكة على التركيز على الأولويات أو تقليص بعض الأعمال.
وقالت أليس غاور، الشريكة في “أزور ستراتيجي” للاستشارات ومقرها لندن “أسلوب ترامب الذي لا يخلو من مبالغات وولع المملكة بالإعلانات الكبيرة الجاذبة للإنتباه يشكلان مزيجا جيداً”.
لكن من المُرَجَّح أن يكون الوفاء بالتعهدات الرنانة بطيئاً في وقت تتعرض فيه الرياض لضغوط لتسليم مشاريع ضخمة في مواعيدها لاستضافة فعاليات عالمية.
وقالت غاور “إن المستثمرين ما زالت لديهم تساؤلات بشأن حقائق الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة، والمسار غير الواضح لعملية اتخاذ القرار، ونقص المهارات، والالتزامات الضخمة بالإنفاق”.
ويظهر التجمع الدولي لهذه النخب أن الأيام التي لم تكن فيها السعودية مركز جذب لبعض الحكومات الغربية -حتى قبل بضع سنوات فقط- أصبحت الآن من ذكريات الماضي البعيد.
فبعد توليه زمام الأمور بعد ما وُصف بأنه بمثابة انقلاب في القصر عام 2017، واجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان انتقادات دولية على صلة بقمعه للمعارضة ومقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول وتقطيع جثته بمنشار أحضره فريق قتل سعودي.
وتصر السعودية على أن خاشقجي قُتل على يد مجموعة مارقة، رغم أن محمد بن سلمان قال إنه يتحمل مسؤولية لأن ذلك حدث بينما كان يتولى هو السلطة.
وصار كثير من المستثمرين الآن يشعرون بالارتياح لزيارة المملكة ويبدون انفتاحاً على استثمار أموالهم فيها، إلا أن بعضهم لا يزال متشككاً في قدرة الرياض على الالتزام بالمواعيد النهائية لمشاريعها الكبرى. فمن بين التزاماتها: استضافة مباريات كأس آسيا 2027 لكرة القدم، ومعرض إكسبو 2030، وفي عام 2034 استضافة دورة الألعاب الآسيوية وبطولة كأس العالم لكرة القدم والتي يتعين عليها من أجلها استكمال بناء 15 ملعباً، 11 منهاً جديداً بالكامل.
وبدأت بعض المشاريع المرتبطة بهذه الفعاليات في التأخر بالفعل عن جدولها الزمني، وأبرزها منتجع تروجينا للتزلج في مدينة نيوم المستقبلية، وهي مدينة صحراوية ضخمة كان من المفترض أن تستوعب ما يقرب من تسعة ملايين شخص على البحر الأحمر لكنها تواجه تأخيرات متكررة.
ومن المقرر أن تستضيف مدينة تروجينا دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، وتشير تقارير إلى أن المسؤولين السعوديين يدرسون تأجيلها إلى عام 2033. وقد تم تقليص العمل في مشروع “ذا لاين” في نيوم والذي تم الإعلان عنه كمدينة مغلقة بين جدارين من المرايا بطول 170 كيلومتراً وعرض 200 متر فقط، وذلك من أجل التركيز على إكمال جزء بطول 2.4 كيلومتر ليشمل ملعباً لمباريات كأس العالم.
وقال كبير الاقتصاديين في “بنك الإمارات دبي الوطني”، إدوارد بيل “هناك الكثير من التحديات التي قد ترتبط بمحاولة ضغط كل شيء في إطار زمني قصير للغاية، بدلاً من تحديد الأولويات وجدولة الاستثمارات على مدى فترة أطول”.
وقالت وكالة “فيتش” للتصنيف الإئتماني في وقت سابق هذا الشهر إن انخفاض أسعار النفط والالتزامات الاستثمارية الضخمة أمور تثقل كاهل مالية المملكة.
وأظهر البيان التمهيدي للميزانية العامة لعام 2026 تحولاً نحو تشديد الإنفاق بعد اتساع عجز ميزانية عام 2025 بشكل أكبر من المتوقع، والذي من المتوقع الآن أن يصل إلى 5.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وقال بيل إنه من المُرَجَّح أن تظل السعودية تسجل عجزاً في الميزانية لعدة سنوات. ولكنه أشاد في الوقت نفسه بالحكومة لالتزامها بالشفافية والواقعية بشأن احتياجاتها.
وعندما طُلب من متحدث باسم وزارة المالية السعودية التعليق على إعطاء أولوية لبعض المشاريع، قال “كما ذكرنا سابقاً، فإن جميع المشاريع ذات الأولوية لا تزال على المسار الصحيح، ويواصل الاقتصاد المضي باتجاه التنويع مدعوما بالنمو القوي غير النفطي من خلال القطاع الخاص، مع وضع مالي قوي ومنضبط”.
وعززت أكبر البنوك العالمية التزامها تجاه المملكة، إذ قامت مؤسسات مثل مصرفي “سيتي” و”غولدمان ساكس” الامريكيين بإنشاء مقار إقليمية وزيادة عدد أفراد فرقها.
ولا تزال المملكة، التي يقود “صندوق الاستثمارات العامة” السيادي، الذي يدير أصولاً تبلغ قيمتها نحو تريليون دولار، عملية التحول الاقتصادي فيها، بعيدة كل البعد عن تحقيق هدفها المتمثل في جذب 100 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر سنوياً بحلول عام 2030. وقالت كارين يونغ، وهي زميلة أولى في “معهد الشرق الأوسط في واشنطن”، إن “هذا هدف صعب للغاية”، وأشارت إلى أن أكبر صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لا تزال في قطاع الطاقة.
ورغم تأخر المملكة في تنفيذ بعض المشاريع، فإنها تمكنت من تنفيذ مشاريع أخرى، أبرزها تلك التي تقودها شركة تطوير المنتجعات الفاخرة “البحر الأحمر الدولية”. وفي حديث لرويترز هذا الأسبوع في أبوظبي، قال الرئيس التنفيذي للشركة جون باجانو، وهو عضو في مجلس إدارة نيوم، إنه سيتم تبني تغييرات للمساعدة في الالتزام بالجداول الزمنية لتسليم المشاريع الضخمة.
وأضاف “الدولة وصندوق الاستثمارات العامة حريصان على عدم إخفاقنا في الوفاء بتلك الالتزامات”.
المصدر: رويترز



































