الاقتصادي- رصد
يتكرر الحديث عن “دولرة الاقتصاد” في سوريا بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ويرتبط بشكل أساسي بتدهور قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، خاصة الدولار الأميركي.
السؤال الذي طرحته “الثورة” دولرة الاقتصاد، متى يتم اللجوء إليها بشكل عام؟.
الدكتور في العلوم المالية والمصرفية في جامعة القلمون، نهاد حيدر، قال: لابد، بدايةً، من التنويه، إلى دولرة الاقتصاد، والأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، فالدولرة هي عملية تستبدل فيها دولة ما عملتها الوطنية بعملة أجنبية، وعادة ما تكون الدولار الأميركي، كعملة قانونية ومخزن رئيس للقيمة ووسيط للتبادل.
متابعاً: هناك نوعان رئيسيان للدولرة، الدولرة الرسمية الكاملة، وفي هذا النوع، تتخلى الدولة رسمياً عن عملتها المحلية وتعتمد عملة أجنبية (مثل الدولار الأميركي أو اليورو) كعملة رسمية وحيدة. هذا يعني، إلغاء العملة الوطنية.
إضافة إلى سحب جميع العملة المحلية المتداولة من السوق، واستخدام العملة الأجنبية في جميع المعاملات اليومية، والرواتب، والمدفوعات، والودائع المصرفية، وكذلك فقدان البنك المركزي المحلي لقدرته على طباعة النقود والسيطرة على السياسة النقدية.. أمثلة: بنما، الإكوادور، السلفادور، تيمور الشرقية.
أما النوع الآخر، فهو الدولرة غير الرسمية أو الجزئية، هو الشكل الأكثر شيوعاً، إذ تظل العملة المحلية موجودة ورسمية، لكن الأفراد والشركات يفضلون استخدام العملة الأجنبية للعديد من الأغراض، خاصة كـ مخزن للقيمة والادخار.
وبحسب، دكتور العلوم المالية والمصرفية، يمكن أن تحدث الدولرة الجزئية في: الودائع المصرفية، حيث يحتفظ الناس بجزء كبير من مدخراتهم بالدولار، وكذلك القروض، وتكون معظم القروض الكبيرة (لشراء منازل أو سيارات) مقومة بالدولار، وأيضاً عقود الإيجار والبيع: خاصة في العقارات والسلع الكمالية، أمثلة: لبنان والأرجنتين (بدرجات عالية جداً )، والعديد من الاقتصادات الناشئة.
ونوه بأنه يتم اللجوء إلى الدولرة عادةً كملاذ أخير عندما تفشل السياسات النقدية والاقتصادية التقليدية في استقرار الاقتصاد، وتصبح التكاليف الناجمة عن فقدان الثقة في العملة المحلية باهظة للغاية.
حالات
ورداّ على سؤال حول الظروف المحددة، التي تدفع دولة ما إلى اعتماد الدولرة، أجاب: يمكن حصر الحالات بالجوانب التالية :فترات التضخم المفرط.. عندما تفقد العملة المحلية قيمتها بسرعة، يفقد الناس الثقة فيها، ويتوقفون عن استخدامها كوسيط للتبادل أو مخزن للقيمة فيتم استخدام عملة قوية ومستقرة مثل الدولار للمساعدة في استقرار الأسعار.
وأيضاً، فقدان الثقة الكامل في العملة المحلية والنظام المالي، فبعد الأزمات المالية أو فترات عدم الاستقرار السياسي، تكون الدولرة وسيلة لاستعادة ثقة المستثمرين والمواطنين في النظام المالي، عندما يفقد المواطنون والمستثمرون الثقة في قدرة الحكومة أو البنك المركزي على إدارة الاقتصاد. الأمر الذي يؤدي إلى، والكلام لحيدر، إلى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، وتحويل الادخارات المحلية إلى عملات أجنبية (دولرة غير رسمية)، ورفض قبول العملة المحلية في المعاملات الكبيرة.
ومن الجوانب أيضاً، الأزمات المالية العميقة وانهيار القطاع المصرفي، فعندما تكون البنوك على حافة الانهيار ولا يقوم المصرف المركزي بإقراضها لإنقاذها، يمكن أن تكون الدولرة وسيلة لاستعادة الثقة في النظام المصرفي وإيقاف عملية سحب الودائع، وكذلك الرغبة في الانضمام إلى منطقة نقدية كبرى أو دمج اقتصادي عميق، في بعض الحالات، قد تتبنى دولة صغيرة عملة دولة أكبر مجاورة لها لتسهيل التجارة والاستثمار والاستقرار الاقتصادي.
غياب المصداقية في السياسة النقدية
عندما يكون للبنك المركزي سجل حافل من القرارات غير المسؤولة (مثل طباعة النقود لتمويل عجز الحكومة)، يفقد جميع أدواته النقدية (مثل أسعار الفائدة) فعاليتها، في هذه الحالة، تعتبر الدولرة طريقة “لربط اليدين” وفرض انضباط نقدي من الخارج.،،جذب الاستثمارات الأجنبية، والذي يقلل استخدام عملة عالمية من مخاطر صرف العملات للمستثمرين الأجانب، مما يشجعهم على الاستثمار في البلاد.
ومن خلال تسهيل التجارة الدولية، إذا كانت معظم تجارة الدولة مع دولة معينة (مثل الولايات المتحدة)، فإن استخدام عملتها يبسط المعاملات ويقلل التكاليف.
للدول الصغيرة جداً أو ذات الاقتصادات المفتوحة بشدة: السبب في ذلك هو أن للدول الصغيرة جدًا (مثل بعض دول الكاريبي) قدرة محدودة جدًا على إدارة سياسة نقدية مستقلة وفعالة أصلاً. فتلجأ إلى تبني عملة دولة أكبر وأكثر استقرارًا يوفر لها استقراراً نقدياً جاهزاً من دون الحاجة إلى بناء مؤسسة نقدية مكلفة ومعقدة.
مخاطر
ولم يغفل الخبير المالي والمصرفي، عن مخاطر ومساوئ الدولرة ومنها:
فقدان السيادة النقدية: وهو أخطر المساوئ، إذ يفقد البنك المركزي القدرة على طباعة النقود لتمويل العجز، وتحديد أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد أو تبريده، وكذلك العمل كمقرض أخير للبنوك في أوقات الأزمات، لأنه لا يمكنه طباعة الدولارات.
فقدان إيرادات “الضربة النقدية”: هي الأرباح التي تحققها الحكومة من فرق بين تكلفة طباعة عملتها وقيمتها الاسمية. أما عند اعتماد الدولار، تذهب هذه الإيرادات إلى الحكومة الأمريكية (أو البنك المركزي المصدر للعملة).
التبعية المالية والاقتصادية الخارجية: يصبح الاقتصاد معتمدًا بشكل كامل على السياسة النقدية للدولة المصدرة للعملة (مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي). إذا رفع الفيدرالي أسعار الفائدة، فإن ذلك يؤثر تلقائيًا على الاقتصاد المُدولر، حتى لو كان يمر بمرحلة ركود ويحتاج إلى خفض الأسعار.
مشكلات القدرة على التنافس، إذا ارتفعت قيمة العملة الأجنبية (الدولار) بشكل كبير، فإن صادرات الدولة تصبح أكثر تكلفة وأقل قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
وبرأي، حيدر، وفي نهاية المطاف يتم اللجوء إلى الدولرة عندما تفوق تكاليف الاستمرار بعملة محلية غير مستقرة (تضخم، انهيار، فقدان ثقة) تكاليف التخلي عن السيادة النقدية، فهي تعد خطوة يائسة لاستعادة الاستقرار على المدى القصير، ولكنها تقيد بشدة خيارات السياسة الاقتصادية على المدى الطويل.
وعد ديب
المصدر: الثورة



































