العالم الإقتصادي ـ رصد
في زمن الفلاسفة القدماء، حوالي سنة 600 قبل الميلاد، لاحظ الفيلسوف الإغريقي ثاليس أن فرك قطعة من “العنبر” (مادة تشبه الصمغ الأصفر المتحجر) بقماش يجعلها تجذب الريش أو أوراق الشجر الخفيفة.
بالنسبة له، كانت مجرد ظاهرة غريبة، لكنه سجلها، وهي أول مرة في التاريخ نسمع فيها عن الكهرباء الساكنة. والعنبر باليونانية اسمه “إلكترون”، ومنه جاءت كلمة Electricity بالإنجليزية.
هذه الظاهرة بقيت لقرون متتابعة شيئا عجيبا غير مفهوم، حتى جاءت العصور الحديثة.
من ملاحظة الكهرباء إلى صناعتها
في القرن الثامن عشر، جاء عالم أميركي اسمه بنجامين فرانكلين، وبدأ يبحث في ظاهرة البرق: هل هو نار؟ حرارة؟ ضوء؟ أم شيء آخر؟ فأطلق تجربة جريئة: ربط طائرة ورقية بخيط معدني ومفتاح، وتركها تطير وسط عاصفة؛ وعندما ضرب البرق الطائرة، شعر بصدمة كهربائية.. كان ذلك إثباتا مذهلا أن البرق هو نوع من الكهرباء.
من هنا، بدأ الناس ينظرون للكهرباء على أنها شيء يمكن فهمه وربما استخدامه.
كان أديسون مخترعا مهووسا بفكرة صنع مصباح كهربائي عملي يضيء لساعات طويلة، دون أن يحترق بسرعة أو يكون خطيرا. وبعد آلاف المحاولات، نجح في عام 1879، حيث اخترع مصباحا بفتيلة من الكربون
أول جهاز يولد الكهرباء
بعد فرانكلين، جاء دور علماء جادين لمعرفة: هل يمكننا توليد الكهرباء بأنفسنا؟ وفي عام 1800، اخترع العالم الإيطالي أليساندرو فولتا أول جهاز يولد الكهرباء، وهي البطارية الكهربائية.
تخيل مجموعة من الأقراص المعدنية، تفصل بينها قطعة قماش مبلولة بمحلول ملحي، هذا ما فعله فولتا… وعند توصيل الأسلاك، بدأ يسري تيار ضعيف لكنه مستمر.
ثم جاء العالم الإنجليزي مايكل فاراداي في عام 1831، واكتشف طريقة أفضل: عندما تُحرك مغناطيسا بالقرب من سلك نحاسي، يتولد تيار كهربائي! وهذه الظاهرة تسمى: الحث الكهرومغناطيسي.
هذا الاكتشاف هو العمود الفقري لكل مولد كهرباء حتى اليوم؛ فالمحطات التي تغذي المدن كلها تعمل بنفس الفكرة.
المصباح: أول دخول للكهرباء في الحياة اليومية
في أواخر القرن التاسع عشر، بدأ الناس يسمعون عن رجل اسمه توماس أديسون.
كان أديسون مخترعا مهووسا بفكرة صنع مصباح كهربائي عملي يضيء لساعات طويلة، دون أن يحترق بسرعة أو يكون خطيرا. وبعد آلاف المحاولات، نجح في عام 1879، حيث اخترع مصباحا بفتيلة من الكربون داخل زجاجة مفرغة من الهواء.
لكن بقيت هناك مشكلة: المصباح لا يعمل وحده، فهو يحتاج إلى كهرباء؛ فأنشأ أديسون أول شبكة كهرباء في نيويورك، اسمها “محطة بيرل ستريت”، لتزويد حوالي 85 مشتركا بالكهرباء.
لكن التيار الذي استخدمه أديسون كان تيارا مستمرا (DC)، أي أن الكهرباء تسري في اتجاه واحد فقط.
هذا التيار كان ممتازا لمسافات قصيرة، لكنه لا يصل بعيدا؛ لذلك كان لا بد من وضع محطة كهرباء في كل عدة شوارع!
تسلا يدخل المعركة: التيار المتناوب
ثم ظهر عبقري آخر اسمه نيكولا تسلا، وقال: هناك طريقة أفضل!
اقترح استخدام التيار المتناوب (AC)، الذي يتغير اتجاهه بسرعة، ويمكن رفعه وخفضه بسهولة باستخدام جهاز يسمى “المحول”. هذا التيار يسمح بنقل الكهرباء عبر مئات الكيلومترات بخسارة قليلة.
تعاون تسلا مع رجل أعمال ذكي اسمه جورج وستنجهاوس، وبدأت المنافسة ضد أديسون، فيما عرف بـ”حرب التيارات”. وللانتصار لرأيه، بدأ أديسون يخوّف الناس من التيار المتناوب، حتى استخدمه لإعدام الحيوانات علنا!
لكن في 1893، فاز تسلا بمعركة ضخمة: أضاء معرض شيكاغو الدولي باستخدام التيار المتناوب. ومن وقتها، بدأ العالم كله يتجه نحو AC، وما زال يُستخدم حتى اليوم في كل المنازل تقريبا.
مع تطور المعالجات، ظهرت الحواسيب المحمولة، ثم الهواتف الذكية، ثم الإنترنت، ثم الذكاء الاصطناعي (AI). لكن كل هذا يعمل فقط بشرط واحد: وجود كهرباء مستمرة وموثوقة
الكهرباء تشغل المصانع وتضيء المدن
قبل الكهرباء، كانت المصانع تعمل عبر محركات بخارية، وكانت كل آلة موصولة بأحزمة طويلة تدور معا، فإذا تعطلت واحدة تعطلت باقي الآلات.
مع دخول الكهرباء، أصبح من الممكن توصيل سلك إلى كل آلة وتشغيلها بشكل مستقل، وهذا أحدث ثورة صناعية حقيقية؛ فقد أصبحت المصانع أسرع إنتاجا، وأسهل صيانة، وأكثر تنظيما.
والمدن أصبحت أكثر أمانا في الليل، حيث ظهرت مصابيح الشوارع، والترام الكهربائي، والهواتف السلكية، ثم لاحقا أجهزة مثل الثلاجة والمروحة.. كل هذا حدث في أقل من 30 سنة!
الترانزستور: عندما بدأت الكهرباء “تفكر”
بعد أن أصبحت الكهرباء في كل بيت ومصنع، بدأ العلماء يسألون: هل يمكن أن نستخدمها بطريقة تجعل الأجهزة “تفكر” أو تعالج معلومات؟
في 1947، جاء الجواب: نعم! تم اختراع شيء صغير جدا اسمه الترانزستور، وهو قطعة إلكترونية تتحكم في مرور الكهرباء، مثل “مفتاح ذكي” صغير جدا.
لكنه لم يكن مجرد مفتاح، بل كان بإمكانه العمل بسرعة هائلة، وبتكرار بلا نهاية تقريبا. لذلك، بدأ العلماء يستخدمونه لبناء أجهزة مثل: الراديو، والتلفزيون، وأجهزة الاتصالات، وأهم شيء: الكمبيوتر.
الشرائح الذكية: عقول من الكهرباء
في أواخر الخمسينيات، جاء اختراع جديد اسمه الدائرة المتكاملة (Integrated Circuit)؛ فبدلا من استخدام ترانزستور واحد، صار بالإمكان وضع آلاف الترانزستورات في شريحة صغيرة لا يتجاوز حجمها ظفر الإصبع. ومع الوقت، أصبح بالإمكان وضع ملايين الترانزستورات في نفس الشريحة.
ثم في 1971، أطلقت شركة Intel أول معالج دقيق (Microprocessor)، وهو شريحة تحتوي على وحدة معالجة كاملة، أي “دماغ إلكتروني صغير”. وهكذا، دخلنا عصر الكمبيوتر.. وما هو الكمبيوتر إن لم يكن كهرباء تفكر؟!
عندما فرك ثاليس قطعة عنبر، لم يكن يتخيل أنه بدأ سلسلة من الأحداث ستغير شكل العالم؛ فالكهرباء لم تكن مجرد اكتشاف علمي، بل كانت أداة قلبت المفاهيم
الكهرباء تشغل الإنترنت والذكاء الاصطناعي
مع تطور المعالجات، ظهرت الحواسيب المحمولة، ثم الهواتف الذكية، ثم الإنترنت، ثم الذكاء الاصطناعي (AI). لكن كل هذا يعمل فقط بشرط واحد: وجود كهرباء مستمرة وموثوقة؛ فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ… هو يعتمد على:
مراكز بيانات تحتوي على آلاف السيرفرات (أجهزة كمبيوتر قوية جدا). هذه المراكز تحتاج إلى تبريد، وأمان، وكهرباء بلا انقطاع.
أكبر مراكز البيانات اليوم تستهلك كهرباء أكثر من بعض الدول الصغيرة! فمثلا، أحد مراكز البيانات في أميركا يستهلك 1.8 غيغاواط، وهذا أكثر مما تستهلكه ولاية بأكملها.
ليست الأجهزة فقط هي التي أصبحت ذكية، بل حتى شبكات الكهرباء نفسها! ففي الدول المتقدمة، هناك ما يسمى بالشبكات الذكية (Smart Grids)، وهي:
- تراقب استهلاك الكهرباء في كل حي وشارع.
- تعرف متى يكون الضغط عاليا، وتوزع الطاقة بذكاء.
- ترسل إشارات للبيوت لتقليل الاستهلاك وقت الذروة.
- تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوقّع الأعطال قبل حدوثها.
بل إن بعض الدول بدأت تركب عدادات ذكية في البيوت، ترسل البيانات لحظيا، وتخبرك بكمية استهلاكك ومتى، وتعدل الأسعار حسب الأوقات.
المستقبل: كهرباء نظيفة وذكية وشخصية
التوجه اليوم هو نحو:
- الطاقة المتجددة: مثل الشمس والرياح.
- تخزين الكهرباء: في بطاريات ضخمة تستخدم عند الحاجة.
- إنتاج شخصي للكهرباء: مثل تركيب ألواح شمسية على أسطح المنازل.
- ذكاء كهربائي شامل: بحيث تدار الكهرباء كما تدار البيانات، بدقة وذكاء وتفاعل.
وقد نصل إلى مرحلة ليس فيها فقط “شبكة وطنية”، بل شبكات منزلية ذكية تتبادل الطاقة فيما بينها.
عندما فرك ثاليس قطعة عنبر، لم يكن يتخيل أنه بدأ سلسلة من الأحداث ستغير شكل العالم؛ فالكهرباء لم تكن مجرد اكتشاف علمي، بل كانت أداة قلبت المفاهيم:
- غيرت حياة البشر من الظلام إلى النور.
- صنعت الثورة الصناعية.
- شغّلت الأجهزة الذكية.
- أصبحت أساس الذكاء الاصطناعي.
- وجعلت العالم متصلا ومتفاعلا لحظة بلحظة.
المصدر : قناة الجزيرة



































