العالم الاقتصادي- رصد:
شهدنا في الآونة الأخيرة اتباع الولايات المتحدة الأميركية سياسات حمائية، وفرض رسوم جمركية على بعض السلع، ونشوب حرب تجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، هما “أميركا والصين” بفرض حواجز تجارية على بعضهم بعضاً.
الاقتصادي الكوري “ها- جوون تشانج” – عمل سابقاً كمستشار لدى البنك الدولي- يتحدث في هذا الكتاب المعنون ( السامريون الأشرار.. الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي) عن تاريخ العولمة؛ الذي قسمها إلى شقين ينطوي الأول على تاريخ العولمة الرسمي، الذي يُظهر الصورة مضللة لتاريخ العولمة وتعد معلومة لدى الجميع، ليفسر بعد ذلك الشق الثاني وهو تاريخ العولمة الحقيقي (العولمة الأولى) أي في “حقبة الحكم الاستعماري والمعاهدات الجائرة) وممارسة التجارة الحرة التي فرضتها الدول الثرية على الدول الضعيفة مرغمة لا مخيرة.
وعلى الوجه الآخر نجد أن جميع الدول المتقدمة اليوم بما فيها بريطانيا وأميركا حققت ثراءها على قاعدة من السياسات التي تعارض عقيدة الاقتصاديات النيوليبرالية، على الرغم من أن كلتيهما موطنان مفترضان للسوق الحرة، فنجد أن بريطانيا عام 1932فرضت تعريفات جمركية، لما شهدته من نجاح السياسات الحمائية في الدول المنافسة خاصة الولايات المتحدة في تطوير صناعاتها، في حين إن بريطانيا في الوقت ذاته فرضت التجارة الحرة بقوة الحكم الاستعماري والمعاهدات الجائرة.
وأخذت الدول الثرية في استخدام هذا الحماية والدعم ومنها الولايات المتحدة الأميركية، والتمييز ضد المستثمرين الأجانب، ما تمنعه بقوة المعاهدات الدولية مثل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وتحظرها المنظمات المالية الدولية ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ولم تعد هناك إلا دول قليلة هي التي لم تستخدم الكثير من الحماية.
وبدأ مؤلف الكتاب “ها- جوون تشانج” بانتقاد الليبرالية الجديدة التي ادعت أن المعجزة الاقتصادية الكورية، تحققت نتيجة اتباعها استراتيجية التنمية الاقتصادية النيوليبرالية في الستينيات والثمانينيات، ولكن ما فعلته كوريا هو أنها عملت على تغذية صناعات جديدة محددة، واتخذت هذه التغذية شكل الحماية الجمركية والدعم المالي، إلى أن اشتد عود هذه الصناعات وأصبحت قادرة على المنافسة الدولية.
حيث كانت المعجزة الاقتصادية الكورية نتيجة مزيج براغماتي ناجع من المحفزات السوقية والتوجيه من الدولة، فالحكومة الكورية لم تقهر السوق كما كان دأباً في الشيوعية، ولكنها لم تكن أيضاً تؤمن إيماناً كاملاً بالسوق الحرة، في حين كانت الاستراتيجية الكورية تأخذ الأسواق مأخذ الجد، وكانت تدرك أيضاً أن الأسواق بحاجة إلى التصحيح من خلال تدخل السياسة، ويمثل سر نجاح كوريا في مزيج دقيق من الحماية والتجارة المُنفتحة.
“السامريون الأشرار” هم الذين يستفيدون من مآزق الآخرين
ولم يكن المؤلف على يقين أن الحمائية هي المسببة للتنمية الاقتصادية، ولكنه يحاول أن يفسر أنه يمكن للتنمية الاقتصادية أن تتعايش مع الحمائية، ويرى “ها-جوون تشانج” أنه غالبا ما تكون التجارة الحرة أفضل سياسة تجارية على المدى القصير لما تؤديه من زيادة الاستهلاك الحالي للبلد، ولكنها لم تعد السبيل الأمثل لتنمية الاقتصاد، فالتنمية بغير الحماية أمر بالغ الصعوبة.
وفي ضوء هذا، تساءل مؤلف الكتاب: ”لماذا لا توصي الدول الثرية اليوم الدول النامية باتباع الاستراتيجيات التي خدمتها فأحسنت خدمتها؟، ولماذا تطرح الدول المتقدمة بدلًا من ذلك تاريخاً خيالياً للرأسمالية ورديئاً أيضًا؟، حيث نجد اليوم في الدول الثرية من يعظ الدول الفقيرة بالسوق الحرة والتجارة الحرة ليقتنص الواعظون نصيباً أكبر من أسواق هذه الدول وليقوا أنفسهم من ظهور منافسين محتملين.
لذا، أطلق عليهم الاقتصادي “ها-جوون تشانج” لقب “السامريون الأشرار” وهم الذين يستفيدون من مآزق الآخرين، ويقوم هؤلاء بتوصية الدول الفقيرة بالسوق الحرة والتجارة الحرة، بأن هذين الطريقتين اللتين سلكتهما دولهم في الماضي قد حققتا الثراء لهم، ويوضح المؤلف أن العولمة دُعمت نتيجة السياسة وليس التكنولوجيا كما يزعم السامريون الأشرار.
ويحلو للسامريين الأشرار أن يقدموا العولمة بوصفها نتيجة حتمية للتطورات المستمرة في تقنيات التواصل والنقل، ويحلو لهم تصوير منتقديهم الراغبين في تهيئة العالم للركود والذين تجعلهم عداواتهم للنشاط الاقتصادي أعداء للفقراء، ويزعمون أن سبيل النجاة الوحيد من قوة المد التاريخي هو العولمة وهم بهذا يقدمون حلاً على غرار الواحد الملائم للجميع من “السترة الذهبية المكبلة” التي تعني؛ لكي يستقيم بلد ما مع العولمة لابد له من خصخصة المشاريع
المملوكة للدولة، والحفاظ على مستوى منخفض من التضخم، وتقليص حجم البيروقراطية الحكومية، وتحقيق موازنة الميزانية، وتحرير التجارة، ورفع قواعد الاستثمار الأجنبي، ورفع قواعد أسواق رأس المال، وجعل العملة قابلة للتحويل وتقليص الفساد وخصخصة صناديق التقاعد.
وفي سياق ذلك تَزعم جميع الدول الناجحة أن ارتداء هذه السترة تكون في طريقها إلى الرخاء، واستخدموا ” الثالوث المُدنس” المتمثل في (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية) التي تكون خاضعة لسيطرة الدول الثرية لتقديم هذه السترة إلى الدول النامية.
بريطانيا اليوم تعد نصيرة التجارة الحرة
أظهر الاقتصادي” ها-جوون تشانج” كيفية سيطرة بريطانيا على العالم؛ التي تعد نصيرة التجارة الحرة اليوم، ففي عام 1721 بدأ في جوهرة حماية الصناعات البريطانية التصنيعية من المنافسة الأجنبية وتشجيعها على التصدير، ولم تكن التعريفات هي السلاح الوحيد في السياسة التجارية البريطانية آنذاك، حيث فرضت حظراً على الأنشطة الصناعية المتقدمة التي لم ترغب لها في التطور، حيث منعت إنشاء مصانع لف وتقطيع الحديد والصلب في أميركا الذي يعد من المنتجات مرتفعة القيمة المضافة، لترغمها على التخصص في صناعات أخرى منخفضة القيمة المضافة، وبعد تحولها إلى سياسة التجارة الحرة، أخذت في إحكام “إمبريالية التجارة الحرة”، فعندما كانت بريطانيا تريد توسيع سوق المنتجات الزراعية أصبحت تغوي منافسيها إلى الارتداد إلى الزراعة.
إلى أن ظهرت قوة مضادة للسياسة التجارية البريطانية جاءت من الولايات المتحدة؛ التي فرضت بريطانيا عليها استخدامات التعريفات لحماية صناعاتها الجديدة ومنعتها من تصدير منتجات تنافس المنتجات البريطانية وفرضت محاذير على ما يمكن للأميركيين تصنيعه، لتتبع مبدأ حماية ” الصناعات الوليدة”، وبدأت في رفع التعريفات الصناعية التي فرضها “لينكولن” وهو الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، وبرر رفع هذه التعريفات، نتيجة لحجم الإنفاق على الحرب الأهلية، وظلت التعريفات مفروضة على الواردات المُصنعة حتى الحرب العالمية الأولى وكانت حينذاك الأعلى في أي بلد في العالم، وكانت أيضاً أكثر بلاد العالم في الاقتصاد الأسرع نمواً واتجهت إلى إضعاف اقتصاديات الدول الأخرى ومنها ألمانيا.
بعد ذلك، حولت الولايات المتحدة مسار سياساتها و مناصرة قضية التجارة الحرة بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنت نظاماً شبيهًا لـ”إمبريالية التجارة الحرة”، بعد أن تأكدت سيادتها الصناعية بدون أي منافسة، ولكنها ظلت تستخدم الإجراءات الحمائية اللاتعريفية عند اللزوم مثل مناهضتها لسياسة الإغراق، فعندما تحولت إلى تجارة أكثر تحرراً ظلت تشجع صناعات بعينها بوسائل أخرى من خلال تمويل جهود البحث والتطوير.
لذا، يتبين أن جميع الدول الثرية اليوم استخدمت مزيجاً من الحماية والدعم وفرضت قيوداً من أجل تنمية اقتصادها وهي تختلف من دولة إلى أخرى من حيث التوقيت وتفاوت الاستمرارية، وليتضح أيضًا أن تلك الدول المتقدمة قامت بإكراه الدول النامية على سياسات السوق الحرة والتجارة الحرة بحجة أن المنتجين في الدول النامية بحاجة إلى التعرض لأكبر قدر ممكن من المنافسة، لكي يجدوا الحافز على رفع إنتاجيتهم من أجل البقاء.
فعلى مدار ربع القرن الأخير، حررت أغلب الدول النامية تجارتها بدرجة هائلة لنجد أن الدول ذات الدخل المنخفض لم تستطع أن تعوض إلا أقل من 30% من العائد الضريبي المفقود من جراء تحرير التجارة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ونتيجة لذلك التناقص في العائد أصبح هناك انكماش في الإنفاق على القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية الأساسية المادية، فالدول المتقدمة لا تريد أن يظهر لها المزيد من المنافسين من خلال اتباع السياسات الوطنية التي استخدمتها نفسها بنجاح في الماضي.
الاستثمار الأجنبي يجلب أخطاراً تفوق منافعه
ففي حالة قيام الدول الفقيرة بالتصدير إلى الدول الثرية فإنها تواجه تعريفات أعلى من التي تواجهها الدول الثرية، لذا إن الدول النامية بحاجة إلى السماح لها بحرية استخدام أدوات تعزيز الصناعات الوليدة مثل التعريفات الجمركية والدعم وتنظيم الاستثمار الأجنبي، فالتبادل التجاري يساعد على التنمية الاقتصادية ولكن حينما يقوم بلد ما بتوظيف مزيج من الحماية والتجارة المُنفتحة، فالتبادل التجاري أهم من اقتصاديات التجارة الحرة بالنسبة للتنمية الاقتصادية، فالتجارة الحرة تطالب الدول الفقيرة أن تنافس منتجين أجانب أكثر تطوراً، فيفضي ذلك إلى هلاك الشركات قبل أن يتسنى لها اكتساب القدرات اللازمة.
واتجه المؤلف بالحديث عن الاستثمار الأجنبي في الفصل الرابع، ليوضح الحجة المعيارية القائلة بأن تنظيم الاستثمار الأجنبي يضر بآفاق نمو الاقتصاد، وتناول مشكلات الاستثمار الأجنبي خاصة في الدول النامية على المدى البعيد، حيث يجلب الاستثمار الأجنبي أخطاراً تفوق ما يجلبه من منافع وهو ما يعترف به النيوليبراليون، ونجد أن أغلب الدول الثرية اليوم قامت بتنظيم الاستثمار الأجنبي عندما كانت الطرف المتلقي له خاصة الولايات المتحدة، التي تعده أخطر من القوة العسكرية وتمثله عدواً لها، فسياسة الاستثمار الأجنبي لليبرالية، التي تتيح للشركات الأقوى دخول البلد النامي، ستحد على المدى البعيد من نطاق القدرات التي يمكن للشركات المحلية أن تراكمها.
وعليه، لم تتبنّ أي من الدول الثرية من قبل منهج دعم يعمل في علاقتها مع الشركات العابرة للجنسيات، ليُطرح سؤال: لماذا تحرص الدول الثرية” السامرية الشريرة” على جعل الدول النامية توقع كل هذه الاتفاقيات الدولية التي تقيد قدرتها على تنظيم الاستثمار الأجنبي؟ فالدول الثرية تحسب إن حررت الدولة الاستثمار الأجنبي المباشر من القواعد التنظيمية، فإن التدفق الاستثماري إليها، سوف يزداد بما يساعد النمو الاقتصادي، في حين أن الاستثمار الأجنبي يتبع النمو الاقتصادي أكثر مما يتسبب فيه، فإن الشركات الأجنبية لم تدخل دولة مالم يعد سوقها مغرياً وجاذباً لهذه الشركات، فعلى الدول أن تجعل النمو يبدأ قبل أن تبدأ الشركات متعددة الجنسيات بها.
إن الاستثمار الأجنبي المباشر قد يساعد على التنمية الاقتصادية ولكن ذلك في حالة دخوله كجزء من استراتيجية تنموية بعيدة المدى ولكن في أغلب الدول تعتبر تحقيقه في المدى القصير، وقد ينفع تنظيم الاستثمار الأجنبي المباشر الشركات الأجنبية على المدى البعيد، هذا إلى جانب أن هناك دولًا نجحت ومازالت تنجح من خلال التنظيم الفعال للاستثمار الأجنبي، ولكن الدول الثرية جعلته مستحيلًا في البلاد النامية بحجه أنه يمنع تحقيق التنمية الاقتصادية.
وبعد ذلك، انتقل بالحديث عن خصخصة المشاريع المملوكة للدولة؛ وما يمتلكه كل المواطنين ملكية جماعية، ويستأجرون مديرين محترفين برواتب ثابتة لإدارتها، وبدأ بسؤاله لماذا يرى السامريون الأشرار أنه لا بد من خصخصة المشاريع المملوكة للدولة؟ وكانت حجتهم في ذلك أن الأفراد لا تعتني بأشياء ليست أشياءها، فنرى أن جميع الأسباب التي يوعز إليها أداء المشاريع المملوكة للدولة تنطبق على كبرى شركات القطاع.
الفكر النيوليبرالي للمشاريع المملوكة للدول لم يعد صحيحاً
ويرى “ها- جوون تشانج” أن الفكر النيوليبرالي للمشاريع المملوكة للدول لم يعد صحيحاً، حيث هناك مشاريع مملوكة للدولة ذات أداء جيد وسرد بعد ذلك قصصاً ناجحة لملكية الدولة، وهناك مشاريع جيدة مملوكة للدولة، وهناك مشاريع رديئة مملوكة للدولة، وقد تنفع الخصخصة حيناً وتكون في حين آخر وصفة للخراب، وغالباً ما يمكن تحسين أداء المشاريع المملوكة للدولة بدون الخصخصة، وخاصة في الدول النامية المفتقرة إلى القدرات التنظيمية اللازمة.
وهناك مشاريع مثل مشاريع الصناعات التي تمثل احتكارات عامة، والصناعات المتعلقة باستثمارات ضخمة ومخاطرة مرتفعة، والمشاريع العاملة في خدمات ضرورية، هنا ينبغي أن تكون مملوكة للدولة، ولم تكن هناك قاعدة حاسمة تحدد ما الذي يؤدي إلى نجاح مشروع مملوك للدولة، لذا عندما يتعلق الأمر بإدارة مشروع، نكون بحاجة إلى موقف براغماتي.
هل من الخطأ “استعارة” الأفكار؟
هنا بدأ “ها- جوون تشانج ” بداية فصله السادس، كان اليبراليون في القرن التاسع عشر المناهضون لبراءات الاختراع مخطئين، حيث عجزوا عن إدراك حقيقة أن منافع بعض أشكال احتكار الاختراع أكبر من تكاليفها، فحماية الصناعات الوليدة تؤدي بالفعل إلى العجز، باصطناعها سلطة احتكارية للشركات المحلية، ولكن على المدى البعيد قد يعوض أضرار الاحتكار بتوليد أفكار جديدة تزيد الإنتاجية، وتعد المشكلة الأشد الأكثر ضررَاً لبراءة الاختراع هي حبس التدفق المعرفي عن الدول المتخلفة تكنولوجياً التي تحتاج تكنولوجيا أفضل من أجل تنمية اقتصادها، لذا فإن استعارة أفكار من أجانب أكثر إنتاجية هي أمر جوهري للتنمية الاقتصادية.
واستكمالًا لذلك، بدأت الدول في سباق التسلح التكنولوجي، الذي بدأ مع ظهور التقنيات الصناعية الحديثة التي تتفوق في قدراتها الإنتاجية تفوقاً كبيراً على التقنيات التقليدية، وكانت بريطانيا حينذاك القوة الصناعية الرائدة في العالم وأخذت في إقامة حواجز قانونية تمنع انتقال التكنولوجيا، وقامت الدول الأخرى سعياً للحاق ببريطانيا من خلال الحصول على التقنيات المتقدمة سواء بطريقة مشروعة أو غير مشروعة.
أما فيما يتعلق بالدول النامية فلن تحصل على شيء في مقابل تزايد رسوم التراخيص والنفقات الإضافية المتعلقة بحماية الملكية الفكرية، في حين أن الدول الثرية حينما تزيد من حماية حقوق الملكية الفكرية فهي تتوقع زيادة في الابتكار، فيرى “ها- وون تشانج” على الدول الثرية أن تعين الدول النامية على تطوير قدرات استخدام التكنولوجيا الأكثر إنتاجية وتطويرها، وطرح فكرة إنشاء ضريبة دولية على عوائد براءات الاختراع وتستخدم ذلك في توفير الدعم التكنولوجي للدول النامية.
وتبعًا لسياسات صندوق النقد الدولي التي تمثل يداً يعدها السامريون الأشرار، التي تتدخل حينما تقع الدول النامية في أزمة ميزان المدفوعات، يكون توقيع اتفاقية تمويل لهذه الدول ضرورة في هذا الوقت، حيث تعتقد الدول الثرية أن الدول النامية ليس لديها من الانضباط الذاتي ما يجعلها تعيش في حدود إمكانياتها، وبهذا التمويل من المؤسسات المالية يصبح التضخم هو العدو الأول للدولة المُقترضة، “فالتضخم هو ضرب من ضروب الضرائب يفرض بلا قانون”.
ويذهب الاقتصاديون النيوليبراليون إلى أن هناك شيئين ضروريان للمحافظة على التضخم عند مستوى منخفض، من خلال أن يكون هناك انضباط نقدي؛ أي لا يزيد المعروض النقدي عن الحد اللازم، والثاني أن يكون هناك حرص مالي؛ أي لا ينبغي أن تعيش الحكومة فيما يتجاوز حدود إمكانياتها، والذي لم يعد حكراً في وقتنا على الحكومات فأصبح هناك إفراط من قبل القطاع الخاص والمستهلكين في الإقراض.
هل التضخم يضر النمو؟
نجد أن كثيراً من الاقتصاديين النيوليبراليين يعترفون أن أقل من 10% من التضخم لا يترك أثراً عكسياً على النمو الاقتصادي، وهناك اقتصاديون من البنك الدولي بينوا أن معدل التضخم ما دون 40% ولا توجد علاقة بين التضخم والنمو الاقتصادي بل إنهم أثبتوا انه كلما ارتفع التضخم فوق 20% كان ذلك أكثر ارتباطاً بارتفاع النمو، مثل البرازيل التي بلغ معدل التضخم فيها في فترة الستينيات والسبعينيات نحو 42% ورغم ذلك كانت البرازيل من أسرع اقتصادات العالم نمواً في الوقت ذاته، وكوريا أيضاً.
لذا، ما هو سر هوس النيوليبراليين بالتضخم؟، تعد السيطرة الشديدة على التضخم هي “سلاح ذو حدين”، حيث يلحق التضخم الضرر بالأفراد ذوي الدخل الثابت وهم بمثابة أضعف قطاعات السكان والتي تعد المستويات المنخفضة نعمة لهم على طول الخط، أما بالنسبة للعمال ذوي الدخل المتغير ففي ظل المستويات المُنخفضة فهي أكثر حماية لدخولهم ولكنها تقلل دخولهم المستقبلية.
في حالات الركود، تلجأ الدول الثرية إلى تخفيف سياستها النقدية وزيادة عجوزات الميزانية، أما في حالة الدول النامية، فنجد أن الدول الثرية من خلال صندوق النقد الدولي يرغمونها على رفع أسعار الفائدة، إلى جانب موازنة ميزانياتها أو حتى تحقيق فوائض بها، فهم يفرضون على الدول النامية سياسات تفوق بشدة قدراتها على الاستثمار والنمو وخلق وظائف على المدى البعيد، وفي حال تجاوز إمكانياتها أصبح من المستحيل على هذه الدول أن تقترض لتستثمر تسريعاً للنمو الاقتصادي.
وتحت عنوان ” هل يضر الفساد التنمية الاقتصادية؟” نجد أن السامريين الأشرار انطلاقاً من حججهم الاقتصادية النيوليبرالية، فإن الطريقة المثلى للتعامل مع الفساد هي إدخال مزيد من القوى إلى السوق في كل من القطاعين الخاص والعام، فهم يرون أن تحرير قوى السوق في القطاع الخاص وهو تحريره من القواعد التنظيمية سيقلص من الفساد بحرمان البيروقراطيين من سلطات تخصيص الموارد التي تمكنهم من الحصول على الرشاوى في المقام الأول.
ولكن نرى أنه غالباً ما يوجد فساد بسبب وجود قوى سوقية أكثر من اللازم، كما أنه من خلال تخفيف القواعد التنظيمية قد يزيد من الوضع سوءاً، لذا نجد أن الدول النامية التي اتبعت سياسات السامريين الأشرار تزايد لديها الفساد بدلًا من أن يتراجع، وعلاوة على ما سبق نجد أن الديموقراطية قضية تشغل النيوليبراليين، فهل الديمقراطية والأسواق يعزز كل منهما الآخر؟ فوفقاً لرؤية النيوليبراليين للديمقراطية أنها تعزز الأسواق الحرة، فهم يرون أنه في ظل الديمقراطية، سيكون بوسع الأسواق الحرة أن تنتعش ما يدفع لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولكن خلافاً لذلك إن القرارات الديمقراطية تخرب منطق السوق القائم على منح الأثرياء وزناً أكبر.
ووضح “ها-جوون تشانج”: على الدول لزيادة قدراتها أن تبدأ بالصناعة، رغم ما يوصي به اقتصاديو التجارة الحرة وهو التركيز على الزراعة وتنمية الخدمات، ولكن التصنيع هو طريق الرخاء الأهم وإن لم يكن الوحيد، ضارباً أمثالاً في عدة دول كان نجاحها قائماً على التصنيع، فالاستثمار في بناء القدرات يستوجب تضحيات على المدى القصير.
ودعا “ها-جوون تشانج” الدول النامية أن تعصي السوق وتعود إلى تعزيز أنشطتها الاقتصادية التي تحقق لها زيادة إنتاجية على المدى البعيد، وخاصة في مجال التصنيع.
واختتم المؤلف كتابه بالحديث بنبرة تفاؤل مخاطباً الدول الثرية، من خلال كيف يمكن للسامريين الأشرار جعلهم عوناً حقيقياً للدول النامية على تحسين أوضاعهم الاقتصادية؟.
بقلم: وسام محمد
_____________________________
المصدر: “ها- جوون تشانج- السامريون الأشرار “الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي”



































