تشهد سوريا اليوم لحظةً مفصليةً فارقةً بعد عقود من الجمود الاقتصادي تحت وطأة النظام البائد، فمع انتصار الثورة السورية في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ بدأ الاقتصاد السوري بالانفتاح مجدداً على الوطن العربي والعالم، والانطلاق بخطا واثقة نحو آفاق غير مسبوقة للنمو والاستثمار وإعادة الإعمار، والانخراط في الاقتصاد الإقليمي والدولي، الأمر الذي ترجمته الدولة من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بمليارات الدولارات مع كبريات الشركات العربية والدولية، والتي شملت قطاعات حيوية كالبناء والطاقة والصحة والخدمات وغيرها، ومن شأن هذه الخطوات على المدى المنظور والمتوسط والبعيد أن تغير المشهد الاقتصادي السوري كلياً، بما يحقق لسوريا قفزةً نوعيةً في حقل الاستثمار ومكانةً مرموقة على خريطة الاقتصاد العالمي.
لقد شكل التخلص من الاقتصاد المركزي المغلق خطوةً جريئةً وضرورية، فالنظام البائد أخفق على مدى عقود من الزمن في خلق بيئة إنتاجية مستدامة، وقيد المبادرة الفردية، وأغلق الأبواب أمام الابتكار والاستثمار، أما اليوم وبعد التحرير فإن سوريا دخلت مرحلةً جديدة لإعادة صياغة السياسات الاقتصادية على أسس جديدة من الانفتاح والكفاءة والعدالة.
في هذه المرحلة بدأت السوق السورية تشهد تحولات هيكلية عبر توسيع دور ومساهمة القطاع الخاص في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبفضل القوانين الجديدة التي تضمن حماية الملكية، وتسهيل الإجراءات؛ باتت سوريا وجهةً واعدة للمستثمرين السوريين والعرب والأجانب، فمشاريع إعادة الإعمار تفتح المجال أمام شركات المقاولات والطاقة والنقل، وتخلق في الوقت نفسه مئات آلاف فرص العمل، بينما تعزز خطوات التحول الرقمي في سوريا مفهوم الشفافية وتزيد من كفاءة الإدارة الاقتصادية.
لا شك في أن الطريق أمام الاقتصاد الوطني السوري ليست مفروشة بالورود، فالتحديات الداخلية كبيرة، إذ لا بد من إصلاح المؤسسات وتطوير الأنظمة والقوانين وتبسيط الإجراءات وتأهيل الكوادر ومواجهة التضخم، لكن يبقى الأهم أن هناك إرادةً سياسيةً واضحة، ورؤيةً اقتصادية طموحة لدى الدولة السورية، وشعباً مكافحاً يتطلع إلى المساهمة في بناء مستقبل للأجيال القادمة.
إن سوريا اليوم ليست فقط بلداً ينهض من تحت الركام، بل هي قصة تحول اقتصادي عميق ومستدام، يمكن أن تلهم دولاً أخرى في المنطقة والعالم للمضي قدماً في خضم التجربة الاقتصادية السورية، ومع كل يوم جديد، تقترب سوريا أكثر من أن تصبح مركزاً اقتصادياً محورياً في الشرق العربي والعالم، وهي تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لهذه المكانة المرموقة.
































