دراسات

/15/ تريليون دولار الاستثمارات الوهمية… انعدام الاستقرار المالي في اقتصادات الأسواق الصاعدة

خسائر ضريبة الدخل الفردي العالمية تصل إلى نحو /200/ مليار دولار سنوياً

العالم الاقتصادي- قسم الدراسات

  تؤدي الشركات الوهمية التي يتم إنشاؤها في الملاذات الضريبية إلى تقويض عملية تحصيل الضرائب في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ويستحوذ عدد قليل من الملاذات الضريبية المعروفة على الأغلبية العظمى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوهمية في العالم في الجوانب المستترة، وعلى الصعيد العالمي تبلغ الاستثمارات الوهمية مستوى /15/ تريليون دولار، أو ما يعادل مجموع إجمالي الناتج المحلي السنوي للعملاقين الاقتصاديين، الصين وألمانيا.

 ورغم المساعي الدولية التي تهدف إلى الحد من التحايل الضريبي، وأبرزها مبادرة تآكل الوعاء الضريبي، ونقل الأرباح التي أطلقتها مجموعة العشرين، والتبادل التلقائي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المصرفية في إطار مبادرة معيار الإبلاغ المشترك، يستمر ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي، متجاوزاً نمو الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي، فقد ارتفع من نحو 30 % إلى نحو 40 % من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي خلال أقل من عقد من الزمن.

إيرادات ضائعة

وتكلف الملاذات الضريبية مجتمعة الحكومات بين /500/ مليار دولار و/600/ مليار دولار سنوياً على هيئة إيرادات ضائعة من ضرائب الشركات من خلال وسائل قانونية ووسائل ليست قانونية بدرجة كبيرة، ويمثل نصيب الاقتصادات ذات الدخل المنخفض من تلك الإيرادات الضائعة نحو /200/ مليار دولار، وهي نسبة من إجمالي الناتج المحلي الأكبر من الاقتصادات المتقدمة وأكثر من القيمة البالغة /150/ مليار دولار أو نحو ذلك التي تتلقاها كل عام في صورة مساعدة إنمائية أجنبية.

وقد احتفظت شركات «فورتشن 500» الأمريكية وحدها بنحو /2.6/ تريليون دولار في الخارج في عام 2017، وإن كان جزء صغير منها أُعيد إلى الوطن عقب الإصلاحات الضريبية الأمريكية في عام 2018 والشركات ليست المستفيد الوحيد. فقد قام الأفراد بإخفاء /8.7/ تريليونات دولار في ملاذات ضريبية، وتشير التقديرات الأكثر شمولاً إلى مجموع يصل إلى /36/ تريليون دولار.

ووفقاً لتقديرات كل منهما، بافتراض معدلات عائد مختلفة بشكل كبير، تبلغ خسائر ضريبة الدخل الفردي العالمية نحو /200/ مليار دولار سنوياً والتي يجب إضافتها إلى المجموع المتعلق بالشركات، فمعظم الاقتصادات تستثمر بكثافة في الشركات الوهمية في الخارج وتتلقى استثمارات كبيرة من هذه الكيانات، حيث تتجاوز متوسطات هذه الاستثمارات عبر كل مجموعات الدخل 25 % من مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر.

تحايل ضريبي

تؤدي العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام الإحصاءات الاقتصادية الكلية، ففي الوقت الحالي يمكن لأي شركة متعددة الجنسيات الاستفادة من الهندسة المالية في تحويل مبالغ مالية كبيرة في جميع أنحاء العالم، أو نقل أصول غير ملموسة عالية الربحية بسهولة، أو بيع خدمات رقمية من الملاذات الضريبية من دون أن يكون للشركة وجود مادي فيها، ويمكن أن تؤدي هذه الظواهر إلى تضخيم أرقام إجمالي الناتج المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر في الملاذات الضريبية.

ومن الحالات البارزة في هذا الصدد نمو إجمالي الناتج المحلي في إيرلندا بنسبة 26 % في عام 2015 بعد قيام بعض الشركات المتعددة الجنسيات بنقل حقوق الملكية الفكرية إلى آيرلندا، ووضعية لوكسمبورغ كواحدة من أكبر البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.

وفقا للإحصاءات الرسمية تتلقى لوكسمبورغ البلد الذي يبلغ عدد سكانه /600/ ألف نسمة، استثمارات أجنبية مباشرة تعادل ما تتلقاه الولايات المتحدة وتتجاوز بكثير ما تتلقاه الصين من هذه الاستثمارات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تبلغ قيمتها 4 تريليونات دولار في لكسمبرغ تعني أن نصيب الفرد من هذه الاستثمارات /6.6/ مليون دولار.

استثمارات وهمية

 ليس كل استثمار أجنبي مباشر يجلب رأس المال اللازم لزيادة الإنتاجية، ففي الواقع العملي، يُعرَّف الاستثمار الأجنبي المباشر بأنه الاستثمارات المالية العابرة للحدود بين الشركات التي تنتمي إلى المجموعة متعددة الجنسيات نفسها، والكثير من هذه الاستثمارات وهمي بطبيعته، فهي استثمارات تنتقل عبر شركات وهمية، ولا تقوم هذه الشركات الوهمية، التي يُطلق عليها أيضاً الكيانات ذات الغرض الخاص، بأي أنشطة تجارية حقيقية، بل تقوم بأنشطة الشركات القابضة، أو بتقديم تمويل داخلي، أو بإدارة أصول غير ملموسة، غالباً بهدف تقليل الفاتورة الضريبية العالمية للشركات المتعددة الجنسيات، وتؤدي هذه الهندسة المالية والضريبية إلى عدم وضوح إحصاءات الاستثمار الأجنبي المباشر التقليدي وصعوبة فهم التكامل الاقتصادي الحقيقي.

ومن المثير للاهتمام أن عدداً قليلاً من الملاذات الضريبية المعروفة يتلقى الأغلبية العظمى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوهمية في العالم، وتتلقى لوكسمبورغ وهولندا ما يقرب من نصف هذه الاستثمارات، وعند إضافة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وجزر فيرجن البريطانية، وبرمودا، وسنغافورة، وجزر كايمان، وسويسرا، وإيرلندا، وموريشيوس إلى القائمة، نجد أن هذه الاقتصادات العشرة تتلقى أكثر من 85 % من جميع الاستثمارات الوهمية.

أساليب الهندسة الضريبية

هناك إستراتيجية مدروسة على مستوى السياسات لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية من خلال تقديم مزايا مربحة، مثل جعل معدلات ضريبة الشركات الفعلية منخفضة للغاية أو صفرية، وحتى إذا كانت الشركات الوهمية بها موظفون أو يعمل فيها عدد قليل من الموظفين في الاقتصاد المضيف ولا تدفع ضرائب الشركات، فإنها لا تزال تسهم في الاقتصاد المحلي من خلال شراء المشورة الضريبية، والخدمات المحاسبية وغيرها من الخدمات المالية، وكذلك من خلال دفع رسوم التسجيل والتأسيس.

وبالنسبة للملاذات الضريبية في منطقة الكاريبي، تشكل هذه الخدمات النسبة الرئيسية في إجمالي الناتج المحلي، إلى جانب السياحة، وفي إيرلندا، تم تخفيض معدل الضريبة على الشركات إلى حد كبير من 50 % في ثمانينيات القرن العشرين إلى 12.5 % في الوقت الحالي.

وتستفيد بعض الشركات المتعددة الجنسيات من الثغرات التي تشوب القانون الإيرلندي عن طريق استخدام أساليب الهندسة الضريبية الحديثة ذات الأسماء الرمزية المبتكرة، وهو أسلوب ينطوي على تحويل الأرباح بين شركات تابعة في إيرلندا وهولندا له ملاذات ضريبية في منطقة الكاريبي باعتبارها المقصد النهائي المعتاد، وينتج عن استخدام هذه الأساليب فرض معدلات ضريبية أقل أو تجنب الضرائب تماماً.

قضايا المنافسة الضريبية

رغم التخفيضات الضريبية ارتفعت إيرادات إيرلندا من ضرائب الشركات كنسبة من إجمالي الناتج المحلي نظراً للنمو الكبير في الوعاء الضريبي، وهو ما يرجع في جانب كبير منه إلى التدفقات الوافدة الضخمة من الاستثمار الأجنبي، وقد تكون هذه الإستراتيجية مفيدة لإيرلندا، لكنها تؤدي إلى تآكل الأوعية الضريبية في اقتصادات أخرى، وقد انخفض المتوسط العالمي لمعدلات الضريبة على الشركات من 40 % في عام 1990 إلى نحو 25 % في عام 2017، ما يشير إلى الدخول في سباق نحو القاع وإلى أن هناك حاجة إلى تنسيق دولي.

والشبكة العالمية الجديدة للاستثمار الأجنبي المباشر ذات فائدة في تحديد الاقتصادات التي تتلقى الاستثمارات الوهمية والأطراف المقابلة لهذه الاقتصادات، كما أنها تتيح فهماً أوضح لأنماط العولمة، وتوفر هذه البيانات رؤية أعمق للمحللين، كما يمكن أن يسترشد بها صناع السياسات في سعيهم نحو التصدي للمنافسة الضريبية الدولية.

ولقي جدول أعمال الضرائب قبولاً بين اقتصادات مجموعة العشرين في السنوات الأخيرة، وتعد مبادرة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح، ومبادرة معيار الإبلاغ المشترك مثالين على الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لمعالجة مواطن الضعف التي تشوب تصميم الضرائب منذ قرن من الزمان، غير أن قضايا المنافسة الضريبية وحقوق البلدان في فرض الضرائب لا تزال من دون معالجة إلى حد كبير.

الثروة الخاصة

نظراً لأن المؤسسات المالية الكبيرة وغيرها من الشركات المتعددة الجنسيات هي الشركات الرئيسية المستخدمة الملاذات الضريبية، فإن النظام بذلك يرجح الكفة لغير مصلحة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعزز الاحتكار.

وكقاعدة عامة، كلما كان الفرد أكثر ثراء والشركة المتعددة الجنسيات أكبر، بعضها يضم مئات من الشركات التابعة في الخارج كانا أكثر اندماجاً في النظام الخارجي وأكثر دفاعاً عنه بقوة، والحكومات القوية لها أيضاً مصلحة؛ فمعظم الملاذات الكبرى تقع في الاقتصادات المتقدمة أو في أقاليمها، وبحسب مؤشر الملاذ الضريبي للشركات التابعة لشبكة العدالة الضريبية تحتل جزر فيرجن البريطانية وبرمودا وجزر كايمان المراكز الثلاثة الأولى، وكلها أقاليم بريطانية فيما وراء البحار، ومؤشر السرية المالية التابع للمنظمة يصنف سويسرا والولايات المتحدة وجزر كايمان باعتبارها أكبر ثلاثة بلدان من حيث الثروة الخاصة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق