أخبار منوعةمقالات أساسية

مستقبل العمل من المنزل: المتع والعثرات

تجربة العمل عن بعد قد تغدو بديلاً مقنعاً جداً بدل الحضور في المكاتب  

العالم الاقتصادي- رصد

تبدو الحياة الاعتيادية للكثيرين منّا اليوم بعيدة المنال، حتى أنه يصعب التذكّر تماماً كيف كانت (قبل الجائحة). لكن إن قام أحدنا بالتحدّث إلى شخص من محترفي العمل المكتبي سيكتشف، بناء على ذاك الحديث، وجود بعض الحكايا التي يكررها جميع المكتبيين (العاملين من المكاتب). إحدى هذه الحكايا تتعلق بمسألة التراتبية الهرميّة. إذ إن المرء الموظف في مكتب يمكنه، في أغلب الأوقات، معاينة تلك التراتبية وهي مطبقة في الواقع. يجلس المدير في واجهة المكتب. ومن غير الممكن الوصول إلى باب المغادرة من دون أن يعاين المدير ذلك. وإن قرر الأخير البقاء في المكتب لما بعد الساعة الخامسة بعد الظهر (توقيت نهاية الدوام الرسمي في بريطانيا)، فإن حالة من الإرباك تسود بأوساط الموظفين. إذ ربما يقوم المدير بمراقبتهم من ركنه المشرف. الموظفون الأكثر طموحاً بين زملائهم، في هذه الحالة، يبقون أمام أجهزتهم حتى آخر لحظة من الدوام، متظاهرين بالقيام بأشياء مفيدة. هكذا كانت تجري الأمور وعلى هذا النحو كان يتصرف الموظفون في عوالم المكاتب الغريبة والساحرة، في حقبة الحياة الاعتيادية الماضية.

ثم حلّ الإغلاق وفُرض الحجر الصحّي لمواجهة كورونا. وأمكن للموظفين إلى حدٍّ ما تحقيق كافة واجباتهم، ما داموا قد أكملوا المشاريع المطلوبة منهم في الوقت المحدّد، وبالمستوى المقبول. طبعاً كان ثمة أشخاص يعملون على هذا المنوال منذ زمن بعيد قبل كوفيد، وقبل اختراع الإنترنت. بيد أن الإغلاق جاء وفتح بصيرة الناس على إمكانيات العمل من بُعد بطريقة لم يكن بالإمكان تصوّرها في السابق. وفي المستقبل، سوف يكون أكثر صعوبة الحكم على الناس وتقييمهم مقارنة بالماضي، وذلك على الرغم من عدم استحالة أن ينحو هذا الأمر نحو مزيد من الموضوعية. لكن حتى إن لم يكن الشخص قد بلغ هذه المرحلة بعد، فمن الصعب تخيّل كيف ستبدو في المستقبل تُهم محاولات إبهار الآخرين بذوقٍ رفيع في الثياب، أو بنمط الكلام وطريقة التحدّث، أو بالانتماء العرقي، أو البراعة في ميدان لعبة الغولف.

إن قام شخص بابتكار محرّك سيارة يُصدر صوتاً أقل بمعدل 10 في المئة من المحركات الأخرى، ويلوّث أقل بمعدل 10 في المئة من بقية المحركات، وإن جرى اعتماد هذا المحرك في جميع السيارات في العالم، من المنطقي توقّع فوز ذاك الشخص بجائزة تصميم. وإن امتلك مرء أسهماً في الشركة (التي ابتُكر المحرّك باسمها) فسيغدو ثرياً. لكن ثمة طرق أخرى لتحقيق ذاك الهدف من دون ابتكار أيّ شيء. إذ إن كنت موظفاً عاديّاً في مكتب، وتسكن بمدينة من المدن، وقررت العمل من البيت فقط ليومٍ واحدٍ كلّ أسبوعين، حينها سيكون الانخفاض الذي يتحقّق في مستوى الضجيج والانبعاثات واستهلاك الوقود، سيان. فوق ذلك أيضاً سينخفض معدّل اكتظاظ الطرق بحركة السير.

في الحقيقة أفسح الإغلاق أمامنا احتمالات العمل من بُعد أو من البيت. بيد أنه كشف أيضاً عن بعض العثرات والمشكلات الصغيرة. أحد أصدقائي – أندرو – كان يترأس مشروعاً في مزرعة رياح (لتوليد الطاقة من الرياح) بمنطقة أنجليا الشرقية East Anglia، وينفذ معظم أعماله من غرفة نوم إضافية بمنزله في كنت. وأنا طالما سمعت أندرو يتذمّر قائلاً “الكمبيوتر في وجهي [أنا مسمر على الشاشة] على الدوام. لا أنفك عن التجوال في البيت محاولاً الابتعاد عنه، لكنّه يعود ويشدّني إليه”.

بالإمكان القول إن الفواصل التقليدية بين العمل والعيش المنزلي قد تلاشت. كما أنه بالنسبة لبعض الأشخاص يمكن أن تكون خلفية الأصوات المرافقة للحياة المنزلية سبباً لتشتيت التركيز والانتباه. وقد بذل أهل كثيرون لديهم أولاد صغار قصارى جهدهم للتوفيق بين واقع العمل من البيت وبين نداءات طلب الاهتمام والرعاية الصادرة من أطفالهم. وبدل فسحة الوقت التي كان يمثّلها التنقل والرحلة إلى العمل، والهواء الصباحي المنعش الذي كنّا نتلقاه خلال رحلنا تلك، بات أمامنا حياتنا المنزلية المعهودة. والواقع أن بعض الناس يفضلون الأشياء كما كانت عليه في السابق.

صديقة أخرى، وهي موظفة مرموقة كانت تعمل من مكتبها في مانهاتن، التزمت شقتها في بروكلين معظم الوقت مدة الأشهر الاثني عشر الماضية. وقد أحبت ذلك كثيراً. تقول عن تلك التجربة إنها باتت أكثر انتاجية بمعدل 200 في المئة مقارنة بالوقت الذي كانت تؤدي فيه عملها من المكتب القديم. كما أنها باتت تعمل بفاعلية عظيمة عبر كمبيوترها المحمول. وتفكر شركتها في الوقت الحالي بترك مقرّها الراهن والانتقال إلى مركزٍ أقل كلفة تبلغ مساحته نصف مساحة المقر القديم. كذلك فإن الأعضاء الستة في الشركة الذين يتقاضون الرواتب الأعلى والذين يحملون الشهادات العلمية الأرفع، لا يجتمعون وجهاً لوجه أكثر من مرة واحدة أو مرتين أسبوعياً، وذلك فقط للحفاظ على المعنويات، والتأكّد من أن الجميع مدرك لما يحصل. إلا أن بعض الأشخاص لا يتميّزون بهذه القدرة من السيطرة على الذات التي تتحلّى بها صديقتي. لكن بالتأكيد هناك من يتمتع بذلك.

فإذا كان مدير عملك مثلاً يدفع 20 ألف جنيه استرليني إيجاراً للمكتب الذي تعملون منه، فإنه من المغري أن تقترح عليه التطوّع للعمل من البيت مقابل زيادة 10 آلاف جنيه استرليني على راتبك السنوي. ذاك عرض يسمح له توفير الـ10 آلاف الباقية. لكن واحدة من المشكلات الناجمة هنا تتمثّل بأنه، إن غدا ذاك توجهاً عالمياً حقيقياً، فإن جميع الشركات والمصالح التي تعتمد العمل من المكتب ستكون مضطرة لفعل ذلك. وإن وجدت شركات تعمل في القطاع ذاته فجأة طريقة لتخفيض تكاليف إيجارات مقراتها وفواتير التدفئة والكهرباء إلى النصف، فإلى متى يمكن لمنافسيها الانتظار قبل أن يحذوا حذوها؟

المسألة الأخرى تتمثل بطبيعة التكنولوجيا وأنماطها. إذ إن تقنية الاتصال بالفيديو “زوم” شهدت ارتفاعاً محموماً في قيمة أسهمها خلال فترة الإغلاق، لكنها في النهاية لم تقدم لك غير صورة لزملائك على شاشة بحجم 15 إنشاً. الصورة ثلاثية الأبعاد والفورية، التي استحضرها الخيال العلمي، ما زالت بعيدة منا بعض الشيء. بيد أن الشاشة التي تُظهر الجسم كاملاً باتت متوافرة. ويضع قطاع التكنولوجيا الآن نصب عينيه طرح شاشة التلفزيون المسطحة بحجم 100 إنش في الأسواق، وبعض هذه الشاشات سيكون منحنياً. إنها شاشات غالية الثمن، صحيح. لكن أكلاف مقار العمل الأساسية مرتفعة أيضاً.

إن بلغنا مرحلة تكون فيها جميع الجدران في مكاتبنا المنزلية وقد غدت شاشات، حينها ليس مستبعداً أن يجلس الناس للعمل أمام المكتب الافتراضي الذي تركوه، ومعهم زملاؤهم الذين يظهرون على الشاشات أمامهم بأحجامهم الطبيعية، وليس بحجم ألعاب في بلور سائل.

ظاهرة حضور اجتماعات العمل والمرء يرتدي سرواله الداخلي، غدت سمة غير متوقعة من سمات العمل إبان الجائحة. لكن لو باتت التكنولوجيا تتطلب لقطة شاملة تُظهر تسريحة شعر المرء وموديل حذائه، حينها ستعود اجتماعات العمل في المكتب الافتراضي لتغدو تجربة مختلفة تماماً. وبعد مرحلة معينة، فإن تجربة العمل من بُعد قد تصبح بديلاً مقنعاً تماماً يحلّ في مكان الحضور الشخصي في مقار العمل، أو يأخذ دور رحلات العمل التقليدية عبر البحار. وذاك يمثّل شيئاً مختلفاً كلياً عن استخدام الـ”لابتوب” (الكمبيوتر المحمول) من على طاولة المطبخ.

من نافل القول، كما سبق وذكرنا، أن هناك أشخاصاً يعملون على هذه الاشياء. على مدى سنوات خلت كان ثمة أشخاص يحبون خلال حفلات العشاء إثارة موضوع عدم المساواة المتمثل بوجود قسم الدرجة الأولى في عربات شبكة القطارات ببريطانيا. كانوا يقولون “ألا ينبغي أن نكون جميعاً من “درجة (أو طبقة) واحدة”؟ وكلام من هذا النوع. وقد غدا، في أقل من عقد، مجمل قسم درجة الأعمال في شبكة القطارات وفي السفر الجوي، كأنه أمر من الماضي. كما بدا أن نموذج قسم “الأعمال” بات على قاب قوسين من نكبة كاملة. وقد اقترح هذا الأمر احتمال التأثير على أكثر المسائل حساسية في السياسات البريطانية، أي مسألة الهجرة.

وكانت الحكومة البريطانية طوال سنوات سالفة، استقدمت مواطنين من باكستان، ووزعتهم في بريستون للمساعدة في تجارة الأقمشة. وكان هناك في عام 1979 نحو 900 ألف شخص يعملون في قطاع الأقمشة. ذاك الرقم ومنذ ذلك الحين، هبط اليوم إلى 90 ألف، بموازاة انتقال العجز بمعظمه إلى الخارج. إذ بدا أن العمالة المنخفضة الأجر، والتي معظمها إناث، يمكن أن تكون سهلة الانقياد وخفيضة الصوت. لكن هذا لم يحجب حقيقة أننا نستخدم عمالة آسيوية لإنتاج ثيابنا. إذ أكثر من أي وقت مضى اليوم فإن المزيد من الثياب والألبسة يُصنع في شبه القارة الهندية. والحال فإن ما يحصل يُشير إلى أن هذه الثياب والألبسة تنتج في بلدان أخرى فقط لأن الناس هناك يعملون مقابل أجور بالغة الانخفاض. وهذا أمر منطقي من وجهة النظر المالية الصرفة. إذ طالما تمكن أرباب العمل من إبقاء عمالهم بعيدين منهم آلاف الأميال، فهم يُبعدون عن أنفسهم هموم سياسات الأجور المحلية، ونفقات الرعاية الاجتماعية.

لكن ليس جميع البلدان تمارس هذه الطريقة. فالسعودية، مثلاً، قررت منذ وقت ليس ببعيد أن تدفع للأطباء الأجانب راتباً يوازي تقريباً ما يمكن لهم أن يتقاضونه في بلدانهم الأصلية. هكذا فإن أفراداً من مجموعة أطباء قد يقومون بعملهم في القسم ذاته من المستشفى، فيما يتقاضون رواتبهم وفق معدلات مختلفة للأجر في الساعة. على هذا النحو فإن الطبيب الأميركي سيتقاضى المعدل الأعلى، يليه، بمعدلات أقل قليلاً، البريطانيون والألمان، أما الأفارقة فيتقاضون المعدل الأكثر تدنياً. وذاك يبدو طبيعياً في سياق الثقافة السعودية.

إلا أن الأمر في المقابل يستدعي أسئلة مختلفة، من قبيل: كيف سنحاول في السياق دفع رواتب الناس في هذا البلد (بريطانيا) إذا لم يُطلب منهم الحضور إلى مقار عملهم، وحين لا يطلب منهم ذلك؟

تعد النفقات العامة بالنسبة لعامل أو موظف في ميدلسبره Middlesbrough أدنى من النفقات المتوجبة على شخص يمارس العمل نفسه في تشيلسي. ومنذ سنوات عدة لغاية اليوم كان ثمة وما زال انتقال مستمر للمواهب من بلدات المقاطعات الداخلية ومدنها. إذ قام الأفراد الأكفأ والألمع بالانتقال على نحو منتظم إلى العاصمة للسكن والعمل. لكن الأمور قد تتبدل في المستقبل. وفي هذا الإطار، إن غدا موقع العمل غير مهم، فإن الراتب (المرتفع) نفسه (الذي يتقاضونه في المدن الكبرى) سوف يبلغ أمكنة مثل ميدلسبره قبل بلوغه هامبستيد. لكن هل سيؤدي الأمر إلى تصحيح الاختلالات المشهودة التي عاينّا تطورها في مجتمعنا على مدى العقود القليلة الماضية؟

لكن لماذا اقتصار المسألة على هذا الموضوع؟ تذكروا أن هناك قرابة 750 ألف بريطاني يملكون بيوتاً في إسبانيا، ونصف تلك البيوت تُشغل بشكل مستمر على مدار السنة. إذ إن كان بوسع المرء العمل من البيت، لماذا يختار العيش في مكان مضجر ومكفهر مثل شمال إنجلترا. بيت يُطل على المتوسط لا بد أن يبدو أكبر جاذبية. إن بدأنا بتوفير وظائف للناس في سوق العمل المكتبي والإداري البريطاني تمكّنهم من العمل بنفس الطاقة والمستوى والسهولة من كايبتاون كما من بريكستون، أي حكومة إذن سوف تعلن حقها بتقاضي ضريبة الدخل منهم؟

قبل الانهيار المصرفي الأخير كان قرابة 25 في المئة من مجمل ضريبة الدخل في بريطانيا يأتي من العاملين في القطاع المالي بلندن. وقد تبيّن بعد فوات الأوان أن ذاك كان السبب الذي جعل الحكومة تستصعب كثيراً تنظيم القطاع الصناعي. وقد ذعر السياسيون في الأثناء من أن يقوم المصرفيون ربما بالتخلي عنهم، ويجيّرون ضرائب التأمين الوطني، والدخل، وضرائب الشركات، إلى لاعب أو مستفيد آخر. اليوم الأمور تبدو مختلفة. إذ عما قريب سيكون بوسع كل عامل أو موظف أن يفعل الأمر ذاته  تماماً متى أراد، بافتراض أنه سيكون قادراً على العثور على بلد يستقبله للعيش والعمل. ولنكن واقعيين، فمع وجود رواتب ذات ستة أصفار في الحسبان، فإن أبواب العمل بهذه الشروط ستكون مفتوحة أمامنا. وللوهلة الأولى قد يبدو الانتقال إلى جزر الهند الغربية جذاباً. إلا أن المرء هناك سيكون في منطقة توقيت مختلف تماماً (عن التوقيت في بريطانيا)، وإن أراد الموظف التواصل مع زملائه في لندن عبر سكايب، فإن الأمر سيحتّم عليه العمل بأوقات غير طبيعية.

من الناحية العملية ستكون منطقة الكاريبي أكثر جاذبية من غيرها في استمالة الموظفين من الساحل الشرقي للولايات المتحدة. كما أن مجمل فكرة الانتقال إلى أمكنة مثل جامايكا، ستتمثل بالتمتع بما يقدمه ذاك البلد من ثقافة ومناخ. من هنا فإن ذلك لن يكون متاحاً إذا اضطر المرء للعمل بتوقيت غريب. بيد أن ظاهرة كهذه إن شهدت تنامياً قوياً من شأنها تخفيف الضغوط الرازحة على سوق السكن والبيوت في لندن، على نحو دراماتيكي. لكن ربما تنشأ في السياق مخاطر تلقائية، تتمثل في أن ترى الحكومات الأوروبية انهياراً بإيراداتها الضريبية.

وطبعاً ثمة أسباب أخرى تجعل الناس يفضلون بلداً على آخر. منها الرعاية الصحية، والتعليم، والاستقرار السياسي، والمعدلات المنخفضة نسبياً في مظاهر الجريمة المنظمة والفساد في قطاع الأعمال. وفي الإطار، منذ سنوات عدة خلت، كان قد ساد استياء سياسي كبير عندما قررت هيئة اليانصيب واللوتو (في بريطانيا) تقديم تبرع سخيّ إلى دار الأوبرا الوطنية في “كوفينت غاردن”. كان ذلك خطأً. الأشخاص الأكثر تعلّماً ورقياً يتقاضون الرواتب الأعلى، ويسددون معظم ضريبة الدخل.

في أحاديثهم الخاصة يقول العديد من رجال (ونساء) الأعمال الدوليين إن فرانكفورت وزوريخ هما مدينتان مضجرتان. في المقابل يسهم الدفق الذي لا يتوقف في الأنشطة والفعاليات المثيرة بلندن، في أمور أكثر من مجرد اجتذاب السياح. إذ إن تلك الأنشطة والفعاليات تجعل من المدينة مكاناً يرغب في العيش فيه أكثر الأشخاص في العالم ذكاء وتأثيراً. ونحن لن يكون بوسعنا التصرّف مثل حكومة ألمانيا الشرقية السابقة، فنحاصر أولئك الأشخاص ضمن سور إسمنتي. فهؤلاء هم أحرار بالمجيء والذهاب والتحرّك، والعديدون منهم يفعلون ذلك بإيقاع منتظم. صون الازدهار والتألق في لندن يتعلق في خلق ملعب، يودّ الأشخاص الأفضل والألمع في العالم، الانغماس فيه.

إلى ذلك، حتى لو رأى أصحاب الكفاءات العليا حاجة للبقاء في لندن، فإن مساعديهم وموظفيهم الأدنى قد يكونون في أمكنة أخرى. وثمة حالات تشير إلى ذلك. خذوا مثلاً مقدار مراكز الاتصالات التي نثابر على استخدامها وهي غير موجودة في نواحينا. سماع اللهجات المختلفة والأجنبية عبر الهاتف قد يثير امتعاض البعض في دوائر معيّنة، لكنه له فوائده أيضاً. إذ إننا نستخدم قوى عمل أجنبية، لكننا نستخدمها في موقع مختلف. وفي المستقبل سيمكن تشغيل أنماط أخرى من مهام قطاع الخدمات، من مسافات بعيدة جداً.

ليس ثمة ما يضمن أن تُتبع طفرة التفكير في العمل من المنزل، بأنماط فوائدٍ نتخيّلها. فهي ببساطة قد تسهم في تحفيز انتقالٍ كبير للوظائف الإدارية والمكتبية من الدول الغنية، وتوجّهها نحو المنافسين الأدنى دخلاً (في الدول الأفقر)، ما قد يؤدي إلى تكرار عملية الانفضاض عن الصناعة التي نكبت في السابق عمالتنا اليدوية. ولا تنسوا في هذا الإطار أن معظم أرباب العمل ينقلون مصالحهم إلى الخارج فقط لأن ذلك يمثل لهم فرصة لخفض الأجور التي يدفعونها. بكلمات أخرى، إن كان المعدل الوسطي للناتج الوطني الإجمالي للشخص في جامايكا 6 آلاف دولار، فإن أرباب العمل يمكنهم الاستفادة من ذلك وتأمين وظيفة تكلّفهم 12 ألف دولار، بعد أن كانت تكلّف 50 ألف دولار في نيويورك. وهذا سيان تقريباً إن كانت الوظيفة عينها في لندن تستوجب 50 ألف دولار. من وجهة نظر المحليين، هذا يمثل فرصة كبيرة.

The Independent

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى