اقتصاد محليمقالات أساسية

مخابر الصناعة السورية تنهض “مجدداً” من تحت رماد الحرب

أجهزة مخبرية عادت للخدمة بجهود وطنية.. وأخرى متوقفة بسبب الحصار

العالم الاقتصادي- خاص:

تعرض قطاع المخابر الصناعية لأضرار بالغة خلال سنوات الحرب، ورغم صعوبة تأمين قطع التبديل اللازمة لتشغيل الأجهزة الأجنبية المتوفرة فيها استطاعت الكوادر الوطنية أن تمضي قدماً في ميدان إدارة ومراقبة الجودة، وفق الإمكانات والبدائل المتوفرة، لكن الأمر لم يكن سهلاً أبداً.

حول أهمية ودور هذه المخابر في الميدان الصناعي السوري وفي مرحلة إعادة الإعمار التي تحتاج إلى توفر معايير جودة عالمية أجرينا هذه اللقاءات مع متخصصين في هذا الجانب البحثي الحيوي في قطاع الصناعة وإدارة وضبط الجودة وذلك على هامش أعمال معرض المخابر والمعايرة ومتطلباتها الصناعية Big 4 Show فكانت هذه الحصيلة:

 نقلة نوعية من “ويندوز” إلى “آندرويد”

يقول الكيميائي عامر كربوج مشرف جناح مركز الأبحاث والاختبارات الصناعية في وزارة الصناعة: “أحدث المركز عام 1965 يتبع لوزارة الصناعة وتتمثل مهامه بإجراء الاختبارات والتحاليل الصناعية وبيان مطابقة المواد للمواصفات العالمية والمحلية أو عدم مطابقتها، ويقدم الاستشارات الصناعية حول حل المشكلات الصناعية إضافة إلى ضبط الجودة في الأسواق والمعامل  المحلية، وقد تأثر المركز كما كثير من القطاعت خلال فترة الحرب، فمعظم تجهيزات المركز قبل الأزمة كانت أجنبية الصنع، ومع مرور الوقت وبسبب الحصار أصبحت بعض الأجهزة بحاجة إلى قطع تبديل لم يستطع المركز تأمينها، وهناك أجهزة كثيرة خرجت عن الخدمة، لذلك بدأ المركز بتشغيل  التجهيزات باستخدام قطع تبديل مصنعة محلياً، ومنها جهاز بريطاني الصنع متوقف عن العمل بسبب صعوبة تأمين قطع التبديل، فاضطررنا إلى تغيير برمجته وآلية التحكم فيه بالتعاون مع شركة وطنية صناعية، واستطعنا تطوير أداء عمله ونقلناه من نظام ويندوز إلى نظام آندرويد (التحكم عن طريق الموبايل)، ولاقى ذلك نجاحاً كبيراً من خلال دقة النتائج التي أعطاها الجهاز، ويمكن التوسع في هذا المنحى  لكن كلف صيانة الأجهزة  مرتفعة، لكننا في المركز نحاول أن نغطي أقصى قدر ممكن من الاختبارات التي تخدم الصناعيين وما تتطلبه السوق المحلية حالياً،  وإلى جانب العائق المادي، هناك عائق علمي يتمثل بصعوبة الاحتكاك مع مراكز بحثية أخرى خارج سورية، فالمركز قبل الأزمة كان متعاقداً مع منظمة الجايكا اليابانية وكان هناك تبادل بعثات علمية بين الجانبين، والاحتكاك مع الخبرات الأجنبية يلعب دوراً مؤثراً في هذا القطاع، ونأمل تسليط الضوء على خدمات المركز خاصة وأنه يحوي على كم كبير من الأجهزة غير موجودة في أي مخبر في سورية والمنطقة عموماً”.

وحول الصعوبة الأبرز التي تواجه عمل المركز قال: “بعض الأجهزة متوقف بسبب عدم وجود المواد اللازمة لتشغليها، فمثلاً فيما يتعلق بمشروع (ماروتا سيتي) هناك حاجة لاختبار صلابة الحديد من خلال قياس نسبة الكربون فيه، ونحن لدينا جهاز يمكنه ذلك لكن المادة التي تشغله واسمها التنغستن (معدن) غير موجودة في السوق المحلية، حتى يتسنى لنا تحليل الحديد، مما يعرض الجهاز للخروج عن الخدمة ريثما تتوفر هذه المادة اللازمة لتشغيله، وأحياناً تتوفر بعض المواد لكن أسعارها مرتفعة جداً”.

وأضاف: “نتمنى من وسائل الإعلام أن تسلط الضوء على المركز والخدمات التي يقدمها، لأن المركز يشكل الذراع العلمي الضارب لوزارة الصناعة وهذا قطاع مهم جداً خصوصاً بعد الحرب، وفي مرحلة إعادة الإعمار التي  تستلزم إعادة هيكلة الصناعة  ودعمها، ومن أهم النواحي أشكال الدعم هو دعم التحليل الذي يحدد أن هذا المنتج الصناعي جيد أم لا، وبالتالي فإن دعم هذا القطاع يؤدي إلى تطور الصناعة السورية”.

وحول التفاعل الذي تحقق مع جناح المركز من قب الزوار قال: “تمثلت الفائدة من المشاركة في هذا المعرض بالدعاية للمركز وتعريف الصناعيين بخدماته، وهناك كثير من الصناعيين زاروا جناحنا ومنهم من أعرب عن استغرابه بوجود الأجهزة الموجودة لدى المركز والتي  كانوا يبحثون عنها في الأردن ودول أخرى لإجراء عمليات التحليل لمنتجاتهم، وعرفوا ان هذه التحاليل موجودة لدى المركز في سورية، فالصناعي الذي يجد خدمة موجودة في بلده لن يبحث عنه  في الخارج، وخصوصاً أن لدينا تطوير مستمر في كل عام”.

معايرة تجهيزات الكهرباء والمكيانيك والحرارة والرطوبة

بدوره أوضح عبد الحميد سعده مشرف جناح المخبر الوطني للمعايير والمعايرة التابع للمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بالقول: لدينا في المخبر الوطني للمعايير والمعايرة اعتماد من ألمانيا ونقوم بمعايرة تجهيزات الكهرباء والمكيانيك والحرارة والرطوبة، ويضم المخبر الوطني أربعة مخابر للكهرباء، وثلاثة مخابر للميكانيك،  ومخبر للحرارة والرطوبة، (تتم معايرة مقاييس لحرارة والرطوبة وحساسات الحرارة وأفران تجفيف وكل مايتعلق بالحرارة والرطوبة)، ويضم مخبر المكيانيك مخبر للكتل والموازين نعاير الوزنات والموازين بدقة، ومخبر الضغط والعزم ( ساعات ضغط – مقاييس ضغط- فرق الضغط – التخلية- مفكات العزم.. الخ)، ومخبر الأبعاد الهندسية (بياكوليس رقمي- محددات أطول- مساطر .. الخ)، أما مخابر للكهرباء تضم مخبر التيار المستمر ومخبر التيار المتناوب ومخبر التردد والزمن ومخبر متنقل يجمع مخبر التيار المتناوب والمستمر، ولدينا فريق فني كفوء يقوم بمعايرة تجهيزات المعامل أو الشركات في موقع عملها”.

وحول أهمية المشاركة في المعرض قال: “غادرنا المعرض لأكثر من ١٠ سنوات تقريباً بسبب الحرب على سوريا، ولهذا وجدنا أنه من المفيد أن نشارك في هذه المعارض لفتح ٱفاق كبيرة بين المستثمرين والمخبر الوطني لمواكبة أحدث التطورات المتعلقة التي تضمن رفع كفاءة القطاعات الصناعية، وتفتح آفاق جديدة للعمل والتعاون بين المستثمرين والمخبر بجميع القطاعات”.

نظام إدارة جودة وفق متطلبات المواصفة القياسية الدولية Iso/IEC 17025

في هذا السياق تقول نوره فاضل مشرفة جناح المخبر الوطني للمعايير والمعايرة التابع للمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا: “يطبق المخبر الوطني للمعايير والمعايرة نظام إدارة جودة وفقاً لمتطلبات المواصفة القياسية الدولية Iso/IEC 17025 الخاصة بكفاءة مخابر الاختبار والمعايرة، واعتُمِد المخبر الوطني من قبل مؤسسة خدمات المعايرة الالمانية DKD عام ٢٠٠٨ ولاحقاً من مركز الاعتماد الألماني DAKks في عام ٢٠١٠ وفق متطلبات المواصفة سابقة الذكر إصدار عام ٢٠٠٥، ويعمل المخبر الوطني حالياً على تطوير نظام إدارة الجودة بما يتلاءم ومتطلبات المواصفة المذكورة إصدار ٢٠١٧، وتطبيق المخبر لمتطلبات المواصفة واعتمِاده دولياً يعني إثبات الكفاءة الفنية للمخبر والاعتراف بالمعايير الوطنية للقياسات في الجمهورية العربية السورية وشهادات المعايرة الصادرة عنه”.

وأضافت: “شاركنا في معرض big 4 show بجناح المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، الذي ضم جناح كلاً من المخبر الوطني للمعايير والمعايرة ومخبر توصيف المعادن ومخبر البيئة، وكانت فرصة جيدة للتعريف بالخدمات الفنية التي يقدمها المخبر الوطني للمعايير والمعايرة لشركات القطاعين العام والخاص،  بالإضافة إلى الخدمات الفنية التي يقدمها مخبر البيئة، والتعريف بالدراسات العليا منها دراسة الماجستير في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى الخدمات الفنية التي يقدمها مخبر توصيف المعادن، ونتمنى تكثيف  المعارض والندوات حتى يتم الاطلاع على جميع خدمات مخابرنا والدراسات العليا في المعهد العالي”.

الجودة العالية تستقطب الزبائن بشكل مؤكد

في ذات المنحى يقول المهندس حسام بكورة مشرف جناح مركز الدراسات والبحوث العلمية: “يضم جناح المركز مجموعة منتجات قوالب (السكب المعدني)، الميكانيك، التشكيل، البلاستيك، الطباعة ثلاثية الأبعاد، الطاقات البديلة، تطوير الآلات، تصميم وتصنيع الآلات، ونحاول أن نسخر كل هذه الإمكانيات في خدمة القطاعين العام والخاص، وهناك جانب تصنيعي، وقد أنشئ  المركز في سبيعنيات القرن الماضي بهدف إجراء الدراسات والبحوث العلمية،في مجالات الميكانيك والإلكترون والكهرباء والأدوية والطاقة البديلة”.

ويتابع: “زار جناح المركز الكثير من المتخصصين ولمسنا اهتماماً كبيراً من قبلهم بمنتجاته التي تمتاز بجودتها العالية والتي تخضع لسلندرات عالمية ولذلك كان هناك وثوقية بالمنتجات، واهتمام وتفاعل وتعاون كبير من قبل هؤلاء الصناعيين”.

وأضاف بكورة: “معايير الجودة هي من أهم الأمور التي تهتم بها كل الدول المتقدمة لذلك علينا اللحاق بالركب بحيث تكون الجودة والوثوقية موضوعاً تنافسياً، فالمنتج يجب أن يكون سعره معقولاً وجودته عالية وهذا يستقطب الزبائن بشكل مؤكد، وهناك كثير من المنتجات يقوم المركز بتقييمها، ومنها اختبارات على البطاريات وقد تم رفض الكثير من أنواعها”.

حالياً .. نعمل بالحد الأقصى من جاهزية مخابرنا

كذلك يوضح المهندس وسام قرقوط  رئيس دائرة القياس في وزارة الداخلية وحماية المستهلك قائلاً: “تتلخص مهمتنا بتحليل كافة المواد الغذائية وغير الغذائية سواء المستوردة أو الموجودة في الأسواق السورية ومطابقتها للمواصفات القياسية السورية، ولدينا أقسام عديدة في مديرية المواصفات والمخابر ومنها أقسام التحاليل الفيزيائية والتحاليل الكيميائية، والتحاليل الجرثومية، للكشف عن مخالفة العينات ومطابقتها للمواصفات القياسية السورية وكشف الغش ما إذا كان موجوداً في المواد الغذائية”.

وأضاف: “كل السلع الموجودة في الأسواق السورية سواء المستوردة عبر المنافذ الحدودية أو الموجودة في سورية كلها تخضع للرقابة التموينية، حيث تقوم دوريات حماية المستهلك بسحب عينات من الأسواق وإرسالها إلى مخابر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لتحليلها وفق المواصفات القياسية، ويتم تنظيم ضبوط في العينات المخالفة وإحالتها إلى القضاء وتحاسب وفق المرسوم رقم /8/ عام 2021، والذي يقضي بفرض عقوبات صارمة وشديدة، تتضمن الغرامة والسجن على أبسط المخالفات وأشدها، فدورنا يكمن عملياً بالحفاظ على سلامة الغذاء وعلى صحة المواطن”.

وحول نتائج المشاركة في المعرض بين قائلاً: “لمسنا في المعرض تفاعلاً جيداً من قبل الزوار، وزار جناحنا صناعيون كثر وأعربوا عن حاجتهم لإجراء تحاليل  في مخابر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك حتى يضمنوا جودة سلعهم في الأسواق السورية، إلى جانب أن قسماً منهم يصدر بضائعه إلى خارج القطر، وهو بحاجة للتأكد من صلاحية هذه البضائع للاستهلاك البشري” .

وحول تأثير الحصار على مخابر وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك يقول: “لقد أضرت العقوبات الاقتصادية بمخابر الوزارة  فأغلب أجهزة التحليل الموجودة هي صناعة أوروبية ومواصفاتها معروفة، ونتيجة الحصار توقفت بعض الأجهزة عن العمل، لكننا نعمل حالياً بالحد الأقصى من جاهزية هذه الأجهزة”.

تحقيق: محمد النجم- فاطمة الموسى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى