افتتاحيةمقالات أساسية

كيف نحقق التنمية المنشودة؟

بقلم: أ.د. طارق عفاش

يقف العالم في العقد الثاني من القرن العشرين على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة والتي طالت تطبيقاتها في الذكاء الصناعي والنانوتكنولوجي والطباعة ثلاثية الأبعاد جميع مجالات الحياة، وكان نتيجة ذلك كله تحول الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد يعتمد أساساً على المعرفة العلمية التي تحولت إلى سلعة أو خدمة أو طريقة إنتاج، وأصبحت قدرة أية دولة تتمثل في رصيدها المعرفي، حيث تقدر المعرفة العلمية والتكنولوجية في بعض الدول بنحو 50 % من اقتصادها.

وفي حين أن الدول المتقدمة تزداد تقدماً باستخدام العلم والتكنولوجيا والتي أثبتت التجربة أنها مفتاح التنمية وأداتها الرئيسية، فإن الدول النامية تسعى جاهدة للحاق بالركب وكسر حلقة التخلف والتبعية وتحقيق التقدم المنشود، حيث سعت هذه الدول ومنذ استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية إلى تحقيق التنمية المنشودة والتخلص من تركة الاستعمار التي رسمت خيوط التخلف اجتماعياً واقتصادياً في هذه الدول غير أنها أخفقت في تحقيق التنمية، ورغم اختلاف الآليات والمسارات التي انتهجتها هذه الدول غير أنها بقيت أسيرة التخلف ومازالت تعاني من مشكلات الفقر والبطالة، كما أن الفجوة العلمية والتكنولوجية تزداد اتساعاً بينها وبين الدول المتقدمة.

ولا شك أن العلوم الاجتماعية لم تقدم لنا إلى الآن نظرية مقبولة وصالحة وشاملة لتحقيق التنمية المنشودة، غير أن القراءة العلمية لمختلف التجارب التنموية الناجحة في عالمنا المعاصر تشير إلى وجود أربعة قواسم مشتركة في التجارب التنموية الناجحة وهي:

  • الاعتماد على الذات وهو مبدأ محوري لنجاح عملية تحقيق التنمية، فعلى الدول النامية الاعتماد على إمكاناتها الذاتية من موارد بشرية وثروات طبيعية وخبرات تكنولوجية ومدخرات وطنية، كقاعدة تنطلق منها لتحقيق التنمية المنشودة.

ولابد من الإشارة هنا إلى أنه سيكون للدولة دور رئيسي في عملية تحقيق التنمية وذلك من خلال توفير القواعد التشريعية والتنظيمية والإدارية والقضائية التي تضمن الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة، وكذلك توفير الاستثمار الكفء في الخدمات العامة والصناعات الأساسية.

كما أن للقطاع الخاص دوراً هاماً أيضاً إذ عليه أن يستثمر بذكاء ومسؤولية ولكن ينبغي ألا ينظر إليه على أنه بديل تام لدور الدولة، إذ تعتبر دوافعه في تحقيق الربح السريع عائقاً أساسياً للتوجهات التنموية بعيدة المدى، لذلك يبدو من الضروري إقامة التوافق بين القطاع العام والقطاع الخاص لكي يلعب دوراً متكاملاً من تحقيق التنمية المنشودة.

2- بناء القاعدة العلمية والتكنولوجية والصناعة المناسبة: إن العلم والتكنولوجيا هما ركيزتان أساسيتان لتطور ونمو الحضارة البشرية واثنان من أهم عوامل النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين، ولا شك أن تحقيق التنمية المنشودة في أي بلد يتوقف على حجم قاعدته العلمية والتكنولوجية وسبل استغلالها في تنمية ومختلف القطاعات الاقتصادية والصناعية والخدمية، فهي تسمح بنمو أكبر للصناعات المحلية وباستغلال أفضل للموارد المحلية البشرية والمادية، وتنوع الاقتصاد وزيادة القيمة المضافة وزيادة الدخل القومي.

كما أن الصناعة من أكثر القطاعات الاقتصادية استجابة واستيعاباً لمنجزات العلم والتكنولوجيا وتأثيراً في العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى أنها تساعد على تأمين الاكتفاء الذاتي من السلع الاستهلاكية الداخلية واستثمار الثروات الطبيعية وتشغيل اليد العاملة.

لذلك من الضروري خلق قاعدة علمية وتكنولوجية وصناعية متميزة قادرة على تلبية احتياجات النمو الاقتصادي واستيعاب وتطويع التقانات المتقدمة وخلق صناعة متطورة قادرة على المنافسة في الأسواق الداخلية والعالمية.

سيما وأن التجارب أكدت أن رفع مستويات الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية مرهون بمستوى التطور التكنولوجي للنشاط الصناعي وبرامج رفع الكفاءة العلمية للقوى العاملة وبرامج البحث العلمي والابتكار بسرعة وتوطين وتحديث التقنيات المستخدمة وبكفاءة توظيف المزايا النسبية والتسويق المنظم.

3- تطوير التربية والتعليم: إن الإنسان هو محور عملية التنمية فهو وسيلتها وغايتها، لذلك تكتسب مؤسسات التربية والتعليم بأشكالها ومستوياتها المختلفة أهمية خاصة فهي المسؤولة عن بناء الإنسان بناء متكاملاً عقلاً وروحاً وضميراً وسلوكاً، كما أنها تكتسب مهارات العمل والإنتاج وتنمي قدراته وتصقل مؤهلاته للابتكار والإبداع ليكون قادراً على المشاركة في مجتمعه وتطوره، إضافة إلى أنها وسيلة فعالة للقضاء على الجهل والبطالة ورفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للأسرة وتحسين نوعية الدخل الفردي وفرص الحصول على العمل المناسب.

لذلك لابد للدولة والمؤسسات الخاصة أن تدعم مؤسسات التربية والتعليم بكل إمكاناتها المتوافرة لتحقيق التنمية الثقافية المطلوبة والتي تعني أولاً وأخيراً أن التقدم المنشود هدف صعب يكتسب بالعمل الجاد والنظام الصارم.

4- الحوكمة: وهي مشتقة أساساً من الكلمة الإغريقية  (governance)  والتي تعبر عن قدرة ربان السفينة على قيادة السفينة والحفاظ على أرواح وممتلكات الركاب وسط الأمواج والعواصف، وذلك بما يملكه من مهارات وأخلاق نبيلة وسلوكيات نزيهة، وقد ظهرت أهمية هذا المصطلح الإداري في نهاية القرن الماضي في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التي حصلت في دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية حيث اتضح أن الأزمات كانت بفعل انتشار ظاهرة الفساد وغياب المساءلة وانعدام الشفافية وغياب الكفاءة والفعالية وعدم الالتزام بالقوانين في الشركات المالية الكبرى، مما أدى إلى وضع قواعد للحوكمة لضبط عمل المؤسسات الاقتصادية، وقد تمكنت الكثير من الشركات من الخروج من أزمتها عندما اعتمدت الحوكمة كنظام إداري لها.

وتكتسب الحوكمة أهمية كبيرة في البلدان المتقدمة والنامية على السواء، فهي منظومة إدارية شاملة قادرة على زيادة الفعالية ورفع القدرة التنافسية للمؤسسة وعلى الاستخدام الأمثل للموارد وتعزيز المساءلة والسيطرة على الفساد وخفض النفقات، وهي الأسلوب الأمثل لإدارة المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة من البلدان النامية، حيث تتمكن من خلالها المؤسسات من إدارة مواردها بكفاءة وشفافية بفرض تحقيق النمو الاقتصادي.

وفي النهاية لا بد لنا من الإشارة إلى أن مختلف أنماط التنمية التي سادت سابقاً في الدول النامية لم تعد اختياراً واقعياً في المستقبل المنظور، فالوضع الاقتصادي الدولي بات يخضع إلى هيمنة الشركات متعددة الجنسيات والتي من طبيعة أعمالها خلق الصعوبات والمعوقات أمام تطور الدول النامية.

ولم يعد هناك بديل في الواقع أمام الدول النامية إلى المضي قدماً في طريق تطوير إمكاناتها الذاتية العملية والتكنولوجية والصناعية مهما كانت الأثمان؛ فالبديل هو المزيد من التخلف والتبعية والاستعباد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى