آراءمقالات أساسية

صعود المال: التاريخ المالي للعالم

من الإنسان المفكر إلى الإنسان الصيرفي

 العالم الاقتصادي- متابعات 

 يعمل مؤلف هذا الكتاب نيال كامبيل فرغسون أستاذاً للتاريخ وإدارة الأعمال في جامعة هارفارد، وهو مؤرخ بريطاني متخصص في التاريخ المالي والاقتصادي وتاريخ الاستعمار.

الكتاب يمنح القارئ فهماً اجتماعياً أوسع للتاريخ والعلاقات الدولية، والقيمة الكبرى له أنه يساعد المجتمعات على إدراج احتياجاتها الاقتصادية والمعيشية.

 من الإنسان المفكر إلى الإنسان الصيرفي

هكذا يلخص فيرغسون مسار البشرية، فهو يلاحظ أن التقدم والأحداث الكبرى المشهورة في التاريخ يفسرها النشاط الاقتصادي والمالي، وكما يقول جاكونبرونوفسكي: “صعود المال كان ضرورياً لصعود الإنسان؛ فبالإضافة إلى كونه مشابهاً لعمل العلقة التي تمتص دماء الحياة من العائلات المدينة والمقامِرة ومدخرات الأرامل والأيتام، فإن التجديد المالي كان عاملاً لا غنى عنه في تقدم الإنسان من مجرد الكفاف شديد الفقر إلى علياء الرخاء المادي الذي يعرفه كثير من الناس اليوم، وكان تطور الائتمان والقروض مهماً كأي تجديد تكنولوجي في الإسهام في ظهور الحضارة منذ بابل القديمة حتى هونغ كونغ الحاضرة”.

لقد كان المال هو السر وراء كل ظاهرة تاريخية عظيمة؛ فقد أوجد عصر النهضة ازدهاراً كبيراً في سوق الفن والهندسة المعمارية، لأن المصرفيين الإيطاليين جمعوا ثروات من خلال تطبيق الرياضيات الشرقية على المعاملات المالية، وتفوّق الهولنديون على إمبراطورية هابسبرغ بامتلاك أول بورصة عالمية، كانت أفضل من مناجم الفضة.

كان اكتشاف الذهب والفضة في القارة الجديدة في أوائل القرن السادس عشر تحولاً كبيراً في الثروة والقوة، وقد استولت إسبانيا على /45/ ألف طن من الفضة الخالصة بين عامي 1556–1783، ولكن هولندا تفوقت على إسبانيا؛ عندما لم يستطع الإسبان فهم أن قيمة المعادن الثمينة ليست مطلقة؛ إذ تساوي القيمة التي يستعد الآخرون أن يدفعوها مقابلها.

البنوك والنقود

في القرن الثالث عشر طور دي فيبوناتش أنظمة المحاسبة بإدخال الأرقام العربية التي تعرّف عليها في أثناء عمله وإقامته في بجاية في الجزائر، وتطور نظام الإقراض على يد التجار اليهود في إيطاليا حين كانت المسيحية تحرم الربا، واليهودية تبيح لليهود إقراض غير اليهود بالربا، واستحضرت مسرحية شكسبير “تاجر البندقية” تلك الظروف، وتؤشر المسرحية على إمكانية الإقراض بفوائد كبيرة وضمانات القروض المستخدمة ووجود محاكم لحل الخلافات.

وشهد القرن السابع عشر تأسيس ثلاث مؤسسات مستحدثة على نحو مميز: بنك أمستردام لصرف العملات عام 1609 وبنك ريكسبانك السويدي عام 1656 وفيسلبانك الهولندي. وكان التجديد العظيم الثالث في القرن السابع عشر بإنشاء بنك إنكلترا عام 1649، وكان الهدف الأساسي من إنشائه مساعدة الحكومة في تمويل الحرب.

وكان يُنظر إلى المعادن الثمينة على أنها هي النقود، ويعبَّر عنها أحياناً بسندات ورقية مالية، ومن دون ذلك فهي “مزيفة”، وكان إصدار بنك إنكلترا للأوراق المالية مقيداً إلى حد أن احتياطياته من الذهب فاقت قيمة أوراق النقد المتداولة في الفترة من منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، وحذت الدول حذو بريطانيا فيما يتعلق بالتنظيم من خلال بنك مركزي احتكاري، بنك دي فرانس عام 1800، ورايخسبانك عام 1875، وبنك اليابان عام 1882، والبنك السويسري عام 1907، وتأخر البنك الأمريكي إلى عام 1923.

في عام 1924 دعا جون مينارد كينز إلى التخلي عن قاعدة الذهب، وهناك اتفاق الآن على صحة ذلك، وفي عام 1971 أغلق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون نافذة الذهب التي كان يمكن فيها مبادلة الدولارات في ظروف محددة بعينها بالذهب، واعتباراً من ذلك التاريخ كُسرت الحلقة التي استمرت لقرون تربط بين المال والمعادن الثمينة، ويبدو أن الحقيقة التي لا مهرب منها هي أن كسر الحلقة بين خلق النقود ومصدر استقرارها أدى إلى توسع نقدي غير مسبوق، رافقته زيادة كبيرة في الإقراض لم يشهد لها العالم مثيلاً.

السندات والبورصة

بعد إنشاء البنوك للائتمان كان ميلاد السندات، وكان ذلك ثورة كبرى ثانية في صعود المال؛ فالحكومات والشركات الكبيرة تصدر السندات كوسيلة لاقتراض المال من مجموعة من الناس والمؤسسات أكثر اتساعاً من البنوك.

نمت البورصة من بدايات متواضعة في شمال إيطاليا قبل نحو 800 عام إلى حجم هائل؛ فالقيمة الإجمالية للسندات التي يتم التعامل فيها دولياً في الوقت الراهن هي /18/ تريليون دولار، وتبلغ قيمة السندات على المستوى العالمي /50/ تريليون دولار.

تبدأ سوق السندات بتسهيل اقتراض الحكومة، ومع ذلك فقد تنتهي في حالة الأزمة إلى إملاء سياسة الحكومة، فتكون أمام /3/ خيارات: أن تعلن عدم قدرتها على سداد جزء من ديونها محققة أسوأ مخاوف سوق السندات، أو تخفّض نفقاتها في مجال آخر لطمأنة سوق السندات؛ ما يؤدي في الوقت نفسه إلى إغضاب الناخبين أو المصالح الخاصة، أو تحاول تخفيض العجز بزيادة الضرائب.

الشركات

الشركة أكثر الاختراعات أهمية في العصر الحديث؛ ذلك أنها تسمح لآلاف الأفراد بأن يجمعوا مواردهم للقيام بمشروعات طويلة الأجل تتسم بالمخاطرة وتتطلب استثمارات بمبالغ ضخمة من رأس المال قبل أن تحقق أرباحاً، وخلال الأعوام الأربعمئة منذ أن بدأ العمل بشراء وبيع الأسهم كانت هناك قطاعات مالية متعاقبة، فقد ارتفعت أسعار الأسهم المرة تلو الأخرى إلى مستويات عالية لتهبط مسرعة بعد ذلك، وكانت هذه العملية تترافق المرة تلو الأخرى مع الخداع، حيث كان بعض المطلعين على بواطن الأمور غير الشرفاء يسعون لتحقيق الأرباح على حساب المبتدئين السذج، هذا الأسلوب معروف إلى حد أنه يمكن تقسيمه إلى خمس مراحل: الإحلال، بخلق تغير في الظروف الاقتصادية تعطي فرصاً جديدة ومربحة لبعض الشركات، والحماسة الفياضة أو الإفراط في التداول، فتبدأ عملية التغذية الاسترجاعية التي تقود بواسطتها الأرباح المتوقعة المتصاعدة إلى زيادة سريعة في أسعار الأسهم، والجنون أو الفقاعة، فيجتذب توقع الحصول على أرباح سهلة من المستثمرين لأول مرة المحتالين الحريصين على سلب أموالهم، والعسر: فيعرف المطلعون على بواطن الأمور أن الأرباح المرتقبة لا تبرر الأسعار المبالغ فيها للأسهم ويبدؤون ببيعها، والانسحاب وفقدان الثقة، عندما تبدأ الأسعار في الانخفاض، ويتدافع الغرباء للخروج من السوق، .. وتنفجر الفقاعة.

يعتبر الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين من أهم المحطات في التاريخ المالي، ومن بين كل الدروس التي خرجت من الجهود الكبيرة لدراسة تلك الأحداث يظل الدرس الأهم: يمكن لتلك السياسة النقدية غير الملائمة أو غير المرنة في أعقاب الانخفاض الحاد في أسعار الأصول أن تحول التصحيح إلى ركود والركود إلى كساد.

ودخل العالم في الحرب العالمية الثانية، وكان أكثر الأحداث أهمية في الفترة التي تلت الحرب هو ما لم يحدث، فلم يكن هناك ركود عميق وطويل الأجل، ولكن حدثت انهيارات أخرى بعد ذلك، لقد حدث في القرن العشرين تسعة انهيارات مالية، من أشهرها وأهمها “الاثنين الأسود” عام 1987؛ حيث هبط مؤشر داو جونز بنسبة 10 % في جلسة تعاملات واحدة.

التأمين

بدأ نوع من سوق التأمين يتكون في لندن اعتباراً من أواخر القرن السابع عشر، وأُنشئت أول شركة للتأمين ضد الحريق عام 1680، وبدأت في الوقت نفسه سوق متخصصة بالتأمين البحري، ولم يكن التجار المؤسسين الحقيقيين للتأمين بل علماء الرياضيات، ولكن رجال الدين هم الذين حولوا النظرية إلى التطبيق، عندما أنشؤوا في أسكتلندا في القرن السابع عشر صندوقاً لإعانة أرامل وأيتام رجال الدين الذين يتوفون.

وتطور نظام التأمين إلى نظام اقتصادي اجتماعي حكومي، ويعتبر المؤلف ذلك اختراعاً بريطانياً، وليس من اختراع اليسار بل على العكس، فقد كان هدف تشريع بسمارك للتأمين الاجتماعي، كما عبّر عنه عام 1880 “إيجاد حالة ذهنية محافظة لدى الجماهير العريضة من غير ملاك الأرض تنبع من الحق في الحصول على معاش تقاعدي”، ومن وجهة نظر بسمارك فإن “التعامل مع شخص يتطلع إلى الحصول على معاش تقاعدي عند تقدمه في العمر أسهل بكثير من التعامل مع شخص لا يتوقع ذلك”.

العقارات

كان امتلاك المنازل أساس الأرستقراطية البريطانية ثم صار أساس الديمقراطية، .. “آمن كالمنازل” عبارة متداولة تعكس توق الناس إلى امتلاك البيوت، وتعني أيضاً أنه ليس أكثر أماناً من إقراض المال لأناس لديهم أملاك عقارية، ولذلك فإن أهم مصدر أموال للأعمال التجارية في الولايات المتحدة هو الرهن العقاري.

ولكن برغم الثقة بالعقار وتطور العمل المالي ومؤسساته ما زالت عمليات التمويل معرضة لخطر الأزمات كما كانت في أي وقت مضى، لقد وقعت الأزمة المالية العظمى بسبب الاستثمارات والرهون العقارية وتسمى أحياناً الفقاعة العقارية.

الأزمات وتفاديها

كيف تحدث الأزمات المالية والاقتصادية؟ وكيف يمكن تفاديها؟ رغم أن المؤلف يؤكد أن المستقبل امتداد للحاضر، ويمكن توقع الأزمات في ضوء التاريخ، فإن تكرار الأزمات وتعقيدها يجعل تفسيرها أصعب بكثير من دراستها تاريخياً، لقد حدثت في القرن العشرين -كما يقول المؤلف- تسع أزمات اقتصادية كبرى، ويبدو فهمها وتحليلها أمراً مهماً اليوم وشاغلاً للقادة السياسيين والاقتصاديين والمثقفين والناشطين والمواطنين بعامة الذين يتضررون بسبب الأزمات ويدفعون ثمنها من مدخراتهم وفرصهم.

يلخص فيرغسون دروس التاريخ بأن سوء الإدارة يبدد الموارد، هذا ما حدث لإسبانيا في القرن السابع عشر عندما لم تفدها الكميات الهائلة من الفضة التي حصلت عليها من القارة الجديدة وما حصل مؤخراً للأرجنتين عندما حول سوء الإدارة قصة النجاح إلى قصة فشل!

وبرأي جوزيف ستيغلتز الحائز جائزة نوبل ، فإن أهم طروحات كارل بولانيي أهم مفكر اقتصادي للقرن العشرين أن فكرة التنظيم الذاتي للسوق فاشلة، واليوم (يقول ستيغلتز) لم يعد يوجد أي تأييد فكري محترم لفكرة أن الأسواق في حد ذاتها يمكن أن تؤدي إلى نتائج فعالة، ولا عادلة، وهناك اليوم إجماع عام على أهمية تنظيم الحكومة للأسواق المالية، ولكن ثمة خلاف على أفضل الطرق للقيام بذلك… يتحدث ستيغليتز بالطبع عن أزمة 2007 التي ترد إلى فلسفة تنظيم السوق نفسها بنفسها.

ومن المؤكد اليوم أن اقتصاد التنظيم الذاتي لا يعمل بالمستوى الجيد الذي يرغب أنصاره في أن نؤمن به، حتى صندوق النقد الدولي المؤمن بنظام السوق الحرة فإنه منظمة تتدخل بانتظام في أسواق سعر الصرف، فتؤمّن الأموال لإخراج الدائنين الأجانب في الوقت الذي تسعى فيه لرفع أسعار الفائدة التي تؤدي بالشركات المحلية إلى الإفلاس، ويؤكد بولانيي العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، وكيفية تأثير النظم الاقتصادية في علاقات الأفراد بعضهم ببعض، ونتحدث اليوم عن رأس المال الاجتماعي.

ويلاحظ بولانيي أيضاً تداخل السياسة والاقتصاد بعضهما ببعض تداخلاً معقداً؛ فالفاشية والشيوعية لم يكونا نظامين اقتصاديين بديلين فقط، بل كانا يمثلان خروجاً مهماً عن تقاليد السوق الحرة، ولكن (يقول بولانيي) الفاشية مثلها مثل الاشتراكية تأصلت في مجتمع السوق الذي رفض أن يقوم بدوره، فكانت فترة الذروة بالنسبة إلى العقائد التحررية الجديدة هي على الأغلب بين 1990-1997 بعد سقوط جدار برلين وقبل حدوث الأزمة المالية العالمية.

ولسوء الحظ، كما يقول ستيجلتز، فإن خرافة الاقتصاد ذي التنظيم الذاتي لا تمثل توازناً لهذه الحريات؛ لأن الفقراء يعانون شعوراً أكبر بعدم الاستقرار، وفي بعض البلدان ارتفع عدد الفقراء، وعند هؤلاء حرية أقل، وتحرر أقل من الجوع والخوف.

العولمة والأسواق

إلى أي مدى ساهمت العولمة والمعلوماتية في تشكيل الأسواق وأزماتها؟ وهي بالطبع أسئلة تكاد تكون مستجدة تماماً في ظل الفرص والتحديات والعوالم الناشئة عن تقنيات الحاسوب والاتصالات والعولمة والتداخل والاعتماد المتبادل الذي ينشئ عالماً اقتصادياً واجتماعياً جديداً، ربما يكون منقطع الصلة بالماضي، وهناك اقتصاد جديد عملاق ومتنامٍ يقوم على المعرفة والإبداع يغيّر جذرياً في الموارد وقوى الأسواق وعلاقاتها.

هناك اليوم أيضاً ظواهر اقتصادية جديدة، تبدو مفاجئة في الاقتصاد العالمي، وتحدث للمرة الأولى (ربما) في التاريخ الحديث، مثل ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية (2013) من صعود قوى اقتصادية جديدة تؤثر في الاقتصاد العالمي، مثل: الهند والصين والبرازيل وتركيا؛ فالجنوب اليوم يقود الاقتصاد بدلاً من الشمال الذي هيمن على قيادة الاقتصاد العالمي لأكثر من خمسمئة سنة!

مؤلف الكتاب:  نيال فيرغسون
ترجمة:  محمود عثمان حداد

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق