دراساتمقالات أساسية

صراع الغاز يحتدم بين الكبار في البحر المتوسط وثبات سوري في معادلة القوة بين المحاور الإقليمية المتناحرة

سورية أفشلت طموحات تركية إلى الاستحواذ على موقع «مركز وعقدة الغاز» في المنطقة

العالم الاقتصادي- دراسات

برز صراع على الغاز كعنوان رئيسي للمنطقة العربية في الفترة الأخيرة، وخصوصاً في سورية وليبيا بشكل كبير، وامتد إلى دول حوض البحر المتوسط.

وزادت حدة هذا الصراع بعد دخول الولايات المتحدة وأستراليا نادي كبار منتجي ومصدري الغاز في العالم الأولى بفضل الغاز الصخري والثانية بفضل الاكتشافات الكبيرة، وبهذا تكون صناعة الغاز العالمية قد دخلت منعطفاً مهماً، بمنافسة المنتجين الجدد لأمثالهم التقليديين، كروسيا وقطر وإيران والجزائر، حيث احتدم الصراع مؤخراً على الأسواق الكبيرة، وبالأخص في أوروبا وشرق آسيا.

ضغوط أمريكية

الغاز الصخري المنتج في الولايات المتحدة أكثر تكلفة من نظيره التقليدي المنتج في الجزائر على سبيل المثال، أما تكلفة النقل من الولايات المتحدة بالناقلات إلى أوروبا، فقد رفعت أسعار الغاز الأمريكية أكثر بنسبة 30 % من سعر الغاز الروسي في أوروبا والمصدر إليها عن طريق الأنابيب منخفضة التكلفة، وهي الأسباب نفسها التي ترفع من أسعار الغاز القطري والإيراني الذي يشحن عن طريق الناقلات، ومع ذلك ارتفعت صادرات الغاز الأمريكية في العام الماضي إلى أوروبا بنسبة 270 % مقارنة بعام 2017، حيث تسعى بعض البلدان الأوروبية إلى تنويع وارداتها لأكثر من سبب، وذلك إضافة إلى الضغوط الأمريكية الرامية إلى تحسين الميزان التجاري بين الجانبين.

روسيا والولايات المتحدة

تصطدم جهود واشنطن بمشروع عملاق بين روسيا الاتحادية وأوروبا الغربية وفي مقدمتهم ألمانيا، وذلك بمد خط أنابيب جديد لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا «نورد ستريم-2» وهو خط يمر بالشمال الروسي، حيث تقف واشنطن بقوة ضد المشروع في محاولة لعرقلة زيادة اعتماد أوروبا على روسيا، ومؤخراً الولايات المتحدة بالتدخل الصارخ في مشروع خط الشمال «نورد ستريم-2» والهادف إلى ضخ الغاز إلى ألمانيا عبر خط أنابيب يمر ببحر البلطيق.

وتكمن أهمية الخط الجديد في أنه سيزيد الصادرات الروسية من الغاز بمقدار الضعف، ما يشكل تحدياً للصادرات الأمريكية مرتفعة التكلفة، إضافة إلى تداعياته الاقتصادية والإستراتيجية التي لا تريدها واشنطن، لذلك تسعى بكل قوة إلى عرقلة هذا المشروع، إلا أنه من المرجح أنه سيسير قدماً في طريق التنفيذ والإنجاز، وذلك لأهميته لأوروبا ولألمانيا بصورة خاصة، وذلك لاعتبارات كثيرة، من بينها اعتبارات تجارية تتعلق بالسعر وأخرى لوجستية تتعلق بسهولة الإمدادات، وكذلك بضخامة الكميات التي يمكن أن تصل بسرعة وسهولة للدول الأوروبية.

بدورها فإن الدول التقليدية المنتجة للغاز والمعتمدة على التسويق بالناقلات، كقطر وإيران ستعاني منافسة شديدة، فأستراليا دخلت بقوة في سوق الغاز الآسيوية القريبة منها جغرافياً والأكثر استقراراً من قطر وإيران الموجودتين في منطقة مضطربة تسببتا في عدم استقرارها وتوترها.

العالم العربي

إن عاملي النفط والغاز سيكون لهما دور مهم في تحديد أنماط تفاعلات المنطقة العربية، سواء داخل الدول أم فيما بينها، وهو ما عكسته جملة من الشواهد، منها الصراع الليبي- الليبي (حكومة الوفاق وقوات الجيش الوطني)، واستمرار تصاعد الخلاف بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان، بشأن أحقية الأخير في تصدير النفط، وتأثير العقوبات الغربية في فرض ضغوط على اقتصادات القوى الإقليمية، على نحو ما تعبر عنه السياسة الأمريكية المعروفة بتصفير الصادرات النفطية الإيرانية، وتشكيل تكتل من قوى دولية وإقليمية لمواجهة سلوكيات قوى إقليمية أخرى، وهو ما اتفقت عليه الولايات المتحدة واليونان وقبرص و”الكيان الصهيوني” لتطوير التعاون في مجال الطاقة والبنية التحتية في مواجهة أنشطة تركيا في شرق المتوسط.

خط «إيست – ميد»

وقّعت قبرص واليونان و”الكيان الصهيوني”، على اتفاق أولي في أثينا، لتمهيد الطريق أمام مد خط أنابيب الغاز المعروف باسم «إيست- ميد»، والذي يصل طوله إلى /1900/ كيلومتر، لنقل الغاز الطبيعي من منطقة شرق البحر المتوسط إلى أوروبا.

خط «إيست- ميد» جاء بعد اتفاق تركيا مع حكومة السراج في ليبيا، على تعيين الحدود البحرية في البحر المتوسط، وتعزيز التعاون الثنائي في المجال العسكري والأمني، وهو ما عارضته الدول الموقعة على إنشاء مشروع الخط، ومن جانبها، رفضت تركيا الاتفاقية، واتهم “أردوغان” التحالف الثلاثي بمحاولة تطويق تركيا اقتصادياً.

ويعود مشروع خط أنابيب غاز شرق المتوسط إلى عام 2013 عندما سجلت شركة «ديبا»، وهي الشركة اليونانية العامة للغاز الطبيعي، هذا المشروع على قائمة المشاريع ذات الاهتمام المشترك للاتحاد الأوروبي، ما مكنها من الاستفادة من الأموال الأوروبية لتغطية جزء من أعمال الإنشاء التحضيرية، وتقدر تكلفة المشروع الذي يصل إلى إيطاليا بنحو /6/ مليارات يورو.

ويعتبر خبراء الغاز أنه من الصعب تنفيذ الاتفاق في الوقت الحالي، لأن كميات الغاز التي ينقلها الخط غير متوافرة الآن، فجميع الاكتشافات الحالية تكفي فقط لتغطية احتياجات دول إقليم شرق المتوسط، كما أن الفائض الحالي من الغاز يتم تصديره من خلال التسهيلات المصرية.

خريطة المساومات

بالنظر إلى خريطة الطاقة ومراكز تداولها على نطاق إقليم شرق المتوسط، والتي أبقت التحركات التركية تدور تحت سقف محاولات فرض وقائع مادية وقانونية تفتح لها الباب أمام مساومات يطمع في إملائها على دول المتوسط، مثل مشاريع البنى التحتية «الطاقوية» وربطها بين مصر وأوروبا، تكوين مناطق تحجز بين المناطق الاقتصادية الخالصة لقبرص واليونان، ومن جهة أخرى بين مصر وقبرص واليونان مجتمعة، اقتراح تسوية مع اليونان تتضمن القبول بمد خط أنابيب غاز شرق المتوسط عبر تركيا، والحد من أي عمليات لتعزيز العلاقات مع مصر أو توسيع التعاون معها في مجالات الربط الكهربائي أو مد خطوط للغاز الطبيعي.

ومن ثم تم عقد الاتفاقية المزعومة بين تركيا ورئيس حكومة الوفاق «فايز السراج»، لتحول بين مشاريع ترسيم الحدود بين مصر واليونان وأي خطط لنقل الطاقة في هذه المنطقة، ولا سيما بعد توقيع الحكومة المصرية والقبرصية اتفاقاً لإنشاء أنبوب لنقل الغاز من حقل أفروديت لمصر.

التحركات التركية في قبرص

في سياق متصل هناك تباين في التعاطي التركي مع كل من قبرص واليونان، فتكتيكات التحركات التركية الأخيرة تندرج ضمن سياقات العزلة الإقليمية التي تشهدها في نطاق دول الحوض، ولا سيما بعد ثبات الدولة السورية في معادلة القوة بين المحاور الإقليمية المتناحرة في الحرب الدائرة على أراضيها، ورفضها مد خط أنابيب للغاز القطري اقترحته الدوحة ليمر من خلال سورية ويتجه لتركيا، ومنها يتدفق لجنوب أوروبا معززاً فرص تحول تركيا لمركز وعقدة الغاز الجديدة في المنطقة، ولاشك أن الرفض السوري لذلك المقترح كان أحد أسباب اندلاع الحرب في سورية لتتلاشى بذلك طموحات تركيا في الاستحواذ على موقع «مركز وعقدة الغاز» في المنطقة.

وفيما يخص دولة اليونان، فهي الدولة الأكثر تضرراً من الاتفاقية الموقعة بين الجانب التركي ورئيس حكومة الوفاق، إذ تعد إلغاء الاعتراف بالمياه الاقتصادية الخالصة للجانب اليوناني في جزيرة كريت، واستندت تركيا لمبدأ الجرف القاري بدلاً من حدود المياه الإقليمية المعمول به في الأمم المتحدة والمنبثق عنه قانون البحار، فتركيا وحكومة الوفاق الليبية ستتقاسمان البحر المتوسط بينهما مناصفة في تعد صارخ على المواثيق القانونية والشرعية الدولية، ويبدو أن أنماط التحركات التركية في المنطقة اتسمت بالحدة وتجاهل سيادة الدول.

على الجانب الآخر نجد دولة قبرص التي يعاني القسم الشمالي منها الاحتلال التركي منذ عام 1974، وتأسيسها هناك جمهورية لم تعترف بها أي دولة عداها، تمارس تركيا نشاطات بحرية عسكرية وتنقيب قبالة سواحل جمهورية قبرص، وقد اتخذت أشكال النشاطات التركية قبالة المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص أنماطاً عدائية، كانت أبرزها في شباط عام 2018، حين منعت البحرية التركية سفينة حفر تابعة لشركة «إيني الإيطالية» كانت في طريقها لجنوب قبرص للتنقيب عن الغاز، هذا فضلاً عن إرسال سفن التنقيب التركية ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق