آراء

“سيزر”.. وأزمة أخلاق

لا ينبغي للمستوردين "ليس كلهم" أن يبتزوا الوطن المحاصر

بقلم: محمد النجم
منذ أن صدر المرسوم التشريعي رقم 23 لعام 2019، والذي ينص على إضافة مبلغ /20000/ ليرة سورية إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة، تلقف كثير من التجار هذه المكرمة من السيد الرئيس بشار الأسد، وعمدوا إلى تصنيع مبررات “التفافية” لزيادة ومضاعفة أسعار السلع والخدمات “وخاصة المواد الغذائية الأساسية” بنسب تتفاوت بين 100 %- 300 % أو تزيد، لدرجة شعر فيها المستهلك “الموظف” أن فرحته بزيادة الراتب لم تكنمل، وثمة من يترصدها، ليعيد قدرته الشرائية “سيرتها الأولى” من الضعف وقلة الحيلة .

للأسف ولأننا نعاني “أزمة أخلاق” أصبحت أي زيادة للرواتب والأجور موسم جشع وطمع لكثير من التجار الكبار.. فالأصغر.. فالأصغر، إلى أن نصل إلى تاجر “المفرق” الذي يكاد يغير تسعيرته أكثر من مرة في اليوم، بحجة ارتفاع سعر الصرف، علماً أن كثيراً من البضائع إما مخزنة وإما مستوردة بسعر صرف قديم، ومع ذلك هناك من يصرّ على تغيير السعر بشكل يومي ويتملّص من المحاسبة، ويستغل حاجة الناس إلى سلع أساسية لا يمكن مقاطعتها أو الاستغناء عنها لفترة طويلة، ويعتمد على قوة شرائية “لافتة” لكثير من الناس الميسورين الذين حافظوا على حجم طلب ثابت، وأحياناً متزايد على السلع والبضائع، ولاسيما المواد الغذائية.

الغريب أنه رغم الإجراءات الحكومية المتخذة كتحرير ضبوط مخالفات وإغلاقات وتشميع للمحال وغير ذلك من الإجراءات والجهود؛ لم يلمس مستهلكون “كثر” أي انخفاض في الأسعار، وأصبح لسانُ حالهم يقول: “مالي شغل بالسوق.. مرّيت أشوفك”، لا يذهبون للأسواق بقصد الشراء، بل لمراقبة الأسعار التي يشتعل فتيلها يوماً بعد يوم، أو التحسّر على حاجيات ضرورية لهم ولأسرهم، لكنهم عاجزون عن شرائها بمدخولهم المتواضع، فيجيلون النظر فيها ثم يعودون أدراجهم خائبين من حيث أتوا، إلا من رحم ربي.

لا ننكر أن بلدنا محاصر، وأن ثمة عقوبات خارجية تضيّق الخناق علينا جميعاً كسوريين، وأن قانون “سيزر” جعل كثيراً من الدول والشركات “حتى الصديقة” تتردد كثيراً في التوجه اقتصادياً نحو سورية والاستثمار فيها أو الاستيراد منها أو التصدير إليها، خوفاً من العقوبات الأمريكية، وأن أعداءها وفي مقدمتهم العدو الصهيوني والولايات المتحدة لا يألون جهداً في منع بلدنا من التقاط أنفاسه بعد حرب إرهابية عالمية ظالمة شُنت عليه طوال تسع سنوات قاسية، فالقوات الأمريكية وأتباعها لا يزالون يضعون يدهم على أهم وأضخم حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة السورية، ويسعون إلى عدم تفعيل المعابر الحدودية السورية بأي شكل كان، إلى جانب الكثير من الإجراءات الغربية العدائية الخانقة.

رغم كل ذلك وبالإمكانات الاقتصادية الوطنية نستطيع أن نخفف من وطأة الحصار والعقوبات بأكثر من وسيلة، كأن نطبق القانون على الجميع من دون استثناء، إذ لا يصح أن ننظم ضبطاً أو نحرر مخالفة بحق تجار صغار ونترك التجار الكبار، على الجميع أن يكونوا تحت القانون، ومن شأن ذلك أن يدفع الجميع إلى تحقيق استقرار أسعار سلعهم وخدماتهم، كذلك يمكن مكافحة التهريب ومنع الاحتكار عبر إجراءات حازمة وجدية غير قابلة للاختراق من أيٍ كان، والمواءمة بين حاجتنا الوطنية للتصدير وبين حاجات أسواقنا المحلية بأسعار تناسب المواطن محدود الدخل، ومن ذلك أيضاً إعادة أسرع لعجلة الإنتاج الزراعي والصناعي، وإزالة جميع العراقيل والصعوبات أمام ذلك وبسرعة.

 يمكننا فعل ذلك، كي يتحسن الوضع المعيشي للمواطنين كنتيجة للإجراءات والجهود الوطنية من القطاعين العام والخاص والمشترك، ريثما ينتهي الحصار، ويتعافى وينتعش اقتصادنا الوطني.

لا ينبغي للمستوردين “ليس كلهم” أن يبتزوا الوطن المحاصر ويلووا ذراعه ويستغلوا حاجاته، من خلال هامش الحركة الذي يمتلكونه “حالياً” في أسواق العالم، هذا ليس من شيم الكرماء، ومن يفعل ذلك فلن يرحمه التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق