اقتصاد عالميمقالات أساسية

زيادة أخطار فقدان ثقة المستثمرين في الاقتصاد البريطاني

السياسات المالية لحكومة ليز تراس ووزير خزانتها عمقت الشكوك في شأن التعافي من الركود

العالم الاقتصادي – متابعات

لم تقتصر الردود على الميزانية التكميلية التي أعلنها وزير الخزانة البريطاني كوازي كوارتنغ أمام البرلمان، الجمعة 23 سبتمبر (أيلول)، على رد فعل السوق التي شهدت عمليات بيع مكثفة لسندات الخزانة البريطانية ورفع العائد عليها إلى مستويات عالية جداً. فحتى العملة الوطنية، الجنيه الاسترليني الذي يفترض بحسب القواعد التقليدية أن يستفيد من رفع بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) سعر الفائدة الخميس ومن إعلان الميزانية التكميلية التي سيتم تمويل بنودها بالاقتراض، شهدت عمليات بيع كبيرة هوت بقيمة الجنيه إلى قرب التساوي مع الدولار.

وانتقدت المعارضة السياسية خصوصاً حزب العمال الميزانية التكميلية التي تضمنت خفض الضرائب للشرائح الأعلى دخلاً في بريطانيا ولأصحاب الأعمال والشركات. ووصفت وسائل الإعلام خفض الضرائب الأكبر منذ 50 عاماً بأنه “لمصلحة نسبة واحد في المئة” من البريطانيين فقط.

كذلك لم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى الميزانية على السياسيين والمعلقين في وسائل الإعلام، إنما شملت طيفاً واسعاً من الاقتصاديين والمحللين في الأسواق. وإذ رأى كثيرون أن الميزانية تعمق المشكلات الاقتصادية شكك كثيرون أيضاً في توقعات رئيسة الحكومة ليز تراس ووزير خزانتها بأن خفض الضرائب ودعم الأعمال والشركات سيؤديان إلى نمو كبير في الاقتصاد.

ثقة المستثمرين

أما الانتقاد الأهم فجاء من المستثمرين في السوق الذين حذروا وزير الخزانة من فقدان ثقة الأسواق والمستثمرين في الاقتصاد البريطاني، نتيجة الميزانية التكميلية التي وصفت بأنها “مغامرة خطرة”. وأهمية تحذير المستثمرين أن البنك المركزي أعلن عن نيته بدء بيع السندات التي اشتراها في فترة التيسير الكمي خلال أزمة وباء كورونا وما بعدها لتنشيط الاقتصاد. ومعنى أن يتحول البنك المركزي إلى “بائع” للسندات ويتوقف عن الشراء أن الحكومة ستحتاج إلى بيع السندات في القطاع الخاص. وهنا تكمن حاجتها إلى ثقة المستثمرين الذين سيمولون اقتراض الحكومة للإنفاق على خفض الضرائب وتجميد سقف كلفة فواتير الطاقة.

وفي ظل الظروف التي تشهدها الأسواق وتوقعات الركود القوية في الاقتصاد العالمي قد تجد بريطانيا صعوبة في الحصول على هذا الحجم الكبير من الاقتراض من المستثمرين الدوليين. وستحتاج الحكومة إلى إصدار سندات لاقتراض أكثر من 210 مليارات دولار (نحو 194 مليار جنيه استرليني) لتمويل خطة خفض الضرائب ودعم أسعار الطاقة. وفي ظل عدم وجود بنك إنجلترا كمشتر سيكون البديل صناديق معاشات التقاعد وصناديق التأمين الأوروبية وغيرها. وفي تلك الحالة سيطلب هؤلاء كلفة عالية لشرائهم سندات الخزانة البريطانية.

ويأتي قلق المستثمرين من أن الخزانة البريطانية لن تستطيع الوفاء بالتزامات خدمة الدين بخاصة مع ارتفاع سعر الفائدة وهبوط قيمة الجنيه الاسترليني. وكان ذلك السبب الرئيس وراء عمليات البيع المكثف للسندات مما رفع معدلات العائد عليها. وغالباً ما تكون السندات قصيرة الأجل الأكثر عرضة لتغيرات سعر الفائدة، لذا ارتفع العائد على سندات الخزانة البريطانية لمدة عامين إلى ما يقارب أربعة في المئة، مقابل نسبة عائد أقل من نصف نقطة مئوية العام الماضي.

ومما يعزز فقدان ثقة المستثمرين بالفعل أن السندات متوسطة الأجل أيضاً شهدت ارتفاعاً في نسبة العائد ليصل إلى 3.8 في المئة على سندات الخزانة البريطانية لمدة 10 سنوات.

خفض التصنيف الائتماني

ولأن خطة خفض الضرائب المعلنة في الميزانية وحزمة دعم أسعار الطاقة للمستهلكين ستزيد من الضغوط التضخمية في الاقتصاد، سيكون بنك إنجلترا مضطراً إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً بقوة. ولا يتوقع أن ينعكس ذلك بشكل إيجابي على الجنيه الاسترليني كما هي الحكمة الاقتصادية التقليدية، بل إن الوضع المتراجع للاقتصاد قد يهوي بسعر الاسترليني أكثر. يقول كبير مسؤولي الاستثمار في شركة “بلو باي أسيت مانجمنت” مارك داودنغ في مقابلة مع صحيفة “فايننشيال تايمز” في عددها الأسبوعي “هناك خطر حقيقي من فقدان ثقة المستثمرين الدوليين في السياسة الاقتصادية للحكومة البريطانية، وهو ما سيؤدي إلى انهيار الاسترليني أكثر… فالأسواق تتساءل كيف ستدفع الميزانية مقابل الاقتراض لتمويل خططها التي أعلنتها. وهناك شعور قوي في السوق بأن أحداً لم يفكر في إجابة هذا التساؤل”.

أما كربغ إينشز، من شركة “رويال لندن أسيت مانجمنت”، فيرى أن تلك السياسة الاقتصادية للحكومة قد تصل ببريطانيا إلى وضع تخفض فيه مؤسسات التصنيف الدولية التصنيف الائتماني لبريطانيا وديونها السيادية. والمشكلة في ذلك، إلى جانب جعل الاقتراض من الأسواق الدولية أكثر صعوبة، أن استعادة تلك الثقة وعودة التصنيف قد تستغرق سنين طويلة.

وتعددت المقالات والتحليلات التي تصف الميزانية التكميلية، والرهان على أن خفض الضرائب سيرفع معدلات النمو، بأنها “مقامرة خطرة” قد تؤدي إلى “عدم الاستقرار الاقتصادي في بريطانيا. وتتسق تلك الآراء الاقتصادية مع انتقادات المعارضة السياسية، التي ترى أن وزير الخزانة كوازي كوارتنغ غير مهتم بالسلامة المالية على المديين المتوسط والطويل بقدر تركيزه على طرح سياسات تكسب أصوات ناخبي حزب المحافظين في الانتخابات العامة مطلع 2024.

ما يهم تراس وكوارتنغ

ففي الوقت الذي سيكون على دافع الضرائب البريطاني تحمل عبء المديونية الهائلة وعجز الميزانية والحساب الجاري للحكومة لسنوات، لا يهم تراس وفريقها الاقتصادي سوى طرح سياسات مكلفة بشكل خطر لمجرد أنها تتسق أيديولوجياً مع قطاع مؤثر في الحزب الحاكم. ويشكك كثيرون في أن نسبة النمو المتوقعة التي أعلنها كوارتنغ عند 2.5 في المئة للناتج المحلي الإجمالي غير موثوقة الحدوث، وحتى إن حدثت فلن يكفي معدل النمو لتخفيف عبء الدين أو وقف ارتفاع معدلات التضخم.

وكتب ديفيد لوز مقالاً في “فايننشيال تايمز” واصفاً الاستراتيجية الاقتصادية لحكومة تراس ووزير خزانتها بأنها “غير مسؤولة ونرجسية ومخاطرة، وستؤدي إلى تراكم الديون بشكل هائل وتزيد من عدم المساواة في المجتمع”. وخلص لوز إلى أن كوارتنغ لا يهمه سوى الفترة المتبقية قبل الانتخابات وأن سياساته الاقتصادية “ستترك الخزانة البريطانية خاوية من دون أموال”.

أما المعلق الاقتصادي المخضرم مارتن وولف فكتب مقالاً في عطلة نهاية الأسبوع حذر فيه من أن ميزانية كوارتنغ تهدد مدى القدرة على الوفاء بالدين بالتالي تقود إلى “عدم استقرار اقتصادي خطير”، لكن كوارتنغ يحظى بالدعم الكامل لرئيسة الوزراء التي تشير تقارير صحافية إلى أنها تعتزم طرح مزيد من تخفيضات الضرائب بعد أشهر قليلة، أي مطلع العام المقبل

اندبندنت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى