آراء

جولة في كواليس معرض “صُنِع في سورية”

عثرات أمريكية في طريق التصدير السوري إلى العراق

بقلم: محمد النجم

منذ أيام قليلة زرتُ معرض “صنع في سورية” التصديري والذي شارك فيه أكثر من /100/ شركة صناعية سورية متخصصة في صناعة الألبسة والأحذية، والكثير منها يصدر إنتاجه إلى عدد محدود من الدول العربية كالعراق والأردن ولبنان وليبيا والسودان ودول خليجية، ومذ وصلتُ إلى مدخل المعرض بدأت جولة استطلاعية على أجنحة هذه الشركات، وأجريت في كواليسها ما يزيد عن أربعين مقابلة شفهية مباشرة، جلّها مع صناعيين ومنتجين سوريين، وبطريق الصدفة شملت المقابلات عدداً من التجار والمستوردين العراقيين، ووجهت للصناعيين أسئلة عدة عن أنواع بضائعهم والوجهات التي يصرفون فيها منتجاتهم داخل سورية وخارجها، والصعوبات التي تقض مضاجعهم وتؤثر عليهم بطريقة أو بأخرى، لجهة تأمين المواد الأولية أو شحن البضائع، والمقترحات التي قد تذلل هذه الصعوبات وتنشط قطاع التصدير السوري بشكل أفضل مما هو عليه الآن.

خلال ذلك كان هناك من اعتذر عن الإدلاء بتصريح أو معلومات عما سألت عنه، وهناك من تجاوب وتحدث في العموميات لكنه لم يعطِ أرقاماً عن حجم منتجاته أو أسعاره، وبصدق شعرتُ بصعوبة شديدة في تجاوب البعض ممن تحدث بتحفظ شديد، لكن الأغلبية أفصحوا في حديثهم عن الكثير من القضايا والنقاط المهمة، ووجدت أن من المفيد أن أترجمها في هذا المقال، كما هي من المنتج والصناعي إلى القارئ.

 معظم الصناعيين والمنتجين يصدّرون بضائعهم فقط إلى دول الجوار، مع وجود حالات محدودة جداً تصدر إلى دول أوروبية، وهم  ينتظرون بفارغ الصبر فتح معبر البوكمال للدخول إلى السوق العراقية ومنافسة البضائع الأخرى بالوصول المبكر، والسعر الأقل، والجودة العالية، وهذه الأخيرة هي الخيار الوحيد  المتاح الآن في ميدان المنافسة في تلك السوق، لأن الحصار والضغط الأمريكي على الجانب العراقي يقف حجر عثرة أمام فتح هذه الشريان الحيوي، ليس بين سورية والعراق وحسب؛ بل بين سورية والعالم.

الجميع يشكو من ارتفاع أجور الشحن الجوي وتأثير ذلك على تصدير وتصريف بضائعهم، نظراً لسلبيات اللجوء إلى الشحن عبر البحار، والذي يؤخر وصول البضائع السورية ويفقدها فرصة المنافسة، وما تفرضه تجارة الترانزيت عبر الأردن من تفريغ للحمولات على الحدود مع العراق وتحميلها في شاحنات عراقية، من زمن مهدور وأضرار قد تصيب البضائع جراء التفريغ والتحميل، فضلاً عن تأخر الوصول إلى المستورد.

خلال لقاءاتي مع عدد من التجار العراقيين لمست في أحاديثهم توقاً شديداً لفتح معبر البوكمال- القائم، وإعجاباً شديداً بنوعية وجودة البضائع السورية، لدرجة أن أحدهم قال لي بصريح العبارة: “البضاعة السورية تنافس الصينية والتركية بقوة، لكن المشكلة الوحيدة هي تأخر الشحن البري والبحري وارتفاع كلفة الشحن الجوي”، وهذا الأمر دفعني للاستفسار من الصناعيين السوريين عن هذا السر؛ فقال لي أحدهم: “نحن نتابع باستمرار آخر مستجدات الموضة في الأسواق الخارجية كي نتمكن من المنافسة”، فسألت قسماً آخر منهم عن الصعوبات التي تؤثر على جودة المنتجات السورية، فكشف أحدهم بأنه يضطر لشراء خيوط من الهند ودول أجنبية أخرى بالعملة الصعبة، مؤكداً أنه تضرر – كما الكثير من الصناعيين- من عدم استقرار سعر صرف الدولار، فسألته: ألا يوجد بديل في السوق المحلية فأفصح لي بأن “هناك من منتجي خيوط القطن في سورية من يصدر النوعية الممتازة إلى الخارج، لتبقى الخيوط ذات الجودة الأقل في السوق المحلية، ولفت آخر إلى أن كثيراً من الاكسسوارات ومتممات الصناعة غير متوفر محلياً، وهذا بالتالي يؤثر على جودة المنتجات وعلى فرصها في المنافسة الخارجية.

لدى سؤالي ما إذا كان لدى الصناعيين والمستوردين الذين قابلتهم مقترحات ما تساعد على تحسين هذا الواقع، فأجمع هؤلاء على أهمية حل مشكلة الشحن، إما بالإسراع في افتتاح معبر البوكمال، أو تخفيض أجور الشحن الجوي لأنها تضاف إلى أسعار البضائع وبالتالي تؤثر على المنافسة الخارجية، وهناك من اقترح تخصيص طائرة واحدة لشحن البضائع إلى العراق أسبوعياً، كون ذلك ينهي مشكلة تأخر وصولها بالبر والبحر، ولفتني مقترح أحد الصناعيين دعا فيه إلى تحسين دخل المواطنين السوريين لأن ذلك سينعكس على قدراتهم الشرائية من السوق المحلية، وهذا يحقق فائدة أيضاً إلى جانب التصدير خارج البلاد، وآخر دعا إلى تشجيع المشاركة السورية في المعارض الخارجية ودعم فكرة البيع المباشر فيها كما هي حال معرض بغداد الدولي، فضلاً عن توجيه الدعوات لكبار المستوردين من الدول العربية والأجنبية إلى المعارض التصديرية السورية، لأن من شأن ذلك دعم التصدير وإنعاش الاقتصاد الوطني.. هذا غيضٌ من فيض.

ومن باب الأمانة أضع حصيلة هذه الجولة هنا في هذا الفضاء الإلكتروني، كي يتعرف العالم على حجم الحرب الاقتصادية القذرة التي تشنها الولايات المتحدة ودول الغرب على سورية، وكي يعرف هؤلاء وغيرهم أن السوريين مستمرون بالإنتاج، والتصنيع، والتصدير، رغم كل التحديات والصعوبات، وسيكون النصر حليفهم في النهاية، مهما طالت سنوات الحصار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق