دراساتمقالات أساسية

تحديات بقاء الشركات الناشئة على المستوى الدولي تتزايد

تقنيات الذكاء الاصطناعي و"البلوك تشين" تستحوذ تدريجياً على اهتمام رواد الأعمال

العالم الاقتصادي- قسم الدراسات

تقف أمام الشركات الناشئة تحديات متصاعدة تعوق قدرتها على النمو والبقاء، يتمثل أهمها في المنافسة الشديدة من جانب الشركات الكبرى، وسياسات الحمائية، وتراجع مصادر التمويل، والاستحواذ السريع عليها من جانب الكيانات الاحتكارية الضخمة.

وينبغي على مؤسسي الشركات الناشئة إعداد السياسات المرتبطة بالتمويل والتسويق وإدارة الموارد البشرية لمواجهة الصعوبات المحتملة في مراحل تطور المشروع المختلفة، وفي هذا التقرير أبرز هذه التحديات من جهة، وأهم دعائم نمو الشركات الناشئة من جهة ثانية:

1– تزايد صعوبات التمويل:

 في الولايات المتحدة أظهرت نتائج مسح الائتمان للشركات الصغيرة الصادر في آب 2017 الذي اعتمد على عينة قدرها /15.9/ ألف شركة ويغطي الفترة من النصف الأول من عام 2015 إلى النصف الأول من عام 2016 أن 72 % من الشركات الناشئة التي مضى على إنشائها عامان أو أقل، واجهت تحديات مالية تمثلت في نقص الأموال لإجراء التوسعات اللازمة وتوفير النفقات الجارية ودفع مستحقات القروض.

وواجهت نحو  69 % من الشركات الناشئة التي مضى على إنشائها بين /3/ إلى /5/ سنوات تحديات مماثلة خلال الفترة من النصف الأول من عام 2015 إلى النصف الأول من عام 2016 وأفادت 56 % من الشركات الناشئة التي مضى على إنشائها أكثر من 5 سنوات بأنها واجهت تحديات مالية خلال الفترة السابقة ذاتها، وأوضح مسح أجراه مختبر ومضة للأبحاث في عام 2013 إن نحو 69 % من الشركات الناشئة من عينة بالغة /254/ من رواد الأعمال في الوطن العربي لم تحصل على التمويل الإضافي اللازم لتوسعها.

2– منافسة الشركات الكبرى:

 أصبحت الشركات الكبرى مثل: “أمازون” و”فيس بوك” و”ألفابت” و”أي بي إم” تقوم بدور احتكاري على المستوى العالمي نتيجة لامتلاكها سيولة مالية وقدرات تسويقية عالية، وهو ما عرضها لغرامات من جانب بعض الدول، مثل شركة “غوغل” التابعة لشركة ألفابت التي كبدتها المفوضية الأوروبية في تموز الماضي غرامة لمكافحة الاحتكار بقيمة /4.3/ مليارات يورو بسبب تضييق نظام أندرويد التابع لغوغل على المنافسين.

أدى ذلك لإعاقة نمو الشركات الناشئة بسبب عدم قدرتها على منافسة المنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات الكبرى، وهو ما يعوق قدرتها على البقاء في ظل قيام الأخيرة باستنساخ ابتكارات الشركات الناشئة مثل قيام فيس بوك بإطلاق إداة للدردشة الجماعية المرئية في أيلول 2017 مثل التي أطلقتها سابقاً شركة “لايف أون آير” كما أطلقت شركة “أمازون” الأمريكية جهازاً يتم التحكم به بواسطة الصوت يسمى “شو إيكو”، وهو نموذج مستنسخ من منتج  آخر طرحته شركة ناشئة تسمى “نيو كلوس”.

وعقب إطلاق شركة ناشئة تدعى “إيزي إيميل” في عام 2016 تقنية الرد على البريد الإلكتروني باستخدام الخوارزميات، طرحت شركة “غوغل” أداة مشابهة في العام التالي، وأعلن فيس بوك مؤخراً أنه يتجه إلى ابتكار تطبيق للتعارف وهو ما قد يبدد آمال شركات عديدة، مثل شركة “ماتش” لتحقيق النمو المطلوب في السوق العالمي وجذب الاستثمارات اللازمة للتوسع، ويمكن للشركات الكبرى أيضاً تحجيم نمو الشركات الناشئة عبر الاستحواذ على شركات أخرى منافسة تقدم خدمات الشركات الناشئة نفسها.

3– اضطراب نماذج الأعمال:

 واجهت بعض الشركات الناشئة ولا سيما المعروف منها: “باليوني كورن” العديد من المخاطر انعكست سلباً على أدائها المالي والتشغيلي، وهذا ما تكشفه نتائج أعمال شركة “أوبر” الأمريكية في السنوات الماضية إذ تواجه قائمة طويلة من التحديات تشمل حظر أعمالها  في بعض الأسواق الأوروبية نتيجة اتهامها بالعمل بشكل غير قانوني والقيام بممارسات تجارية غير عادلة، ولم تتمكن “أوبر” من تقليص خسائرها المالية التي تكبدتها في السنوات الماضية، حيث أظهرت نتائج أعمالها في عام 2017 خسائر بقيمة /4.5/ مليارات دولار ارتفاعاً من /2.8/ مليار دولار في عام 2016 وذلك على الرغم من ارتفاع الإيرادات خلال الفترة نفسها بنحو 14 % لتصل إلى /11.1/ مليار دولار مقابل /9/  مليارات دولار في عام 2016.

4- تهديدات تصفية الأعمال:

تعرض كثير من الشركات الناشئة خلال الأعوام الماضية للاندثار وتصفية أعمالها، وهذا ما برهن على صحة بعض التقديرات التي أشارت إلى أن 90 % من جميع الشركات الناشئة التكنولوجية تفشل لاحقاً، وتتفاوت هذه النسبة من سوق لآخر ومن قطاع لآخر.

وتوجد أعداد لا حصر لها من الشركات الناشئة التي أنهت نشاطها في السنوات الماضية وواحدة من أهمها شركة “جوبون” العاملة في مجال بيع أجهزة اللياقة البدنية التي قامت بتصفية أعمالها في تموز عام 2017 بعد أن امتد نشاطها لأكثر من عشرين عاماً ويرجع السبب الرئيسي لذلك إلى تعثرها المالي وهو أحد أهم الأسباب لفشل الشركات الناشئة عالمياً.

دعائم نمو الشركات الناشئة

تحظى الشركات الناشئة بدعم العديد من الأطراف الحكومية وغير الحكومية حول العالم بما يطرح فرصاً متزايدة لنموها، وفي هذا الإطار تتمثل أهم دعائم نمو الشركات الناشئة فيما يلي:

1– انتشار مراكز الابتكار: تعد الولايات المتحدة الأمريكية أهم مركز للشركات الناشئة على مستوى العالم، حيث هناك عدد كبير منها في وادي السيليكون بخليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا مستفيدة من وجودها بجوار عدد كبير من الشركات الكبرى أمثال شركة “أي بي إم” و”ألفا بيت” و”فيس بوك” و”تويتر” وغيرها.

وانتشرت في الآونة الأخيرة مراكز جديدة للشركات الناشئة في بعض مدن العالم مثل برشلونة وأمستردام وفرانكفورت ولندن وذلك بفضل اتجاه الحكومات لتحسين بيئتها التشريعية والتنظيمية الداعمة لنمو شركات التكنولوجيا، وبرزت مدينة فرانكفورت الألمانية مؤخراً كأهم مراكز الشركات الناشئة على مستوى العالم في مجال تكنولوجيا الخدمات المالية وتحليل البيانات.

وصعد عدد من المراكز الأخرى في آسيا ولاسيما في الصين التي شهدت تأسيس عدد من الشركات الناشئة في مدن مثل: “بكين” و”شنغهاي” و”شينزين” والتي تنافس بقوة شركات وادي السيليكون الأمريكي في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتكنولوجيا الخدمات المالية.

2– تعدد مصادر التمويل: أشارت دراسة أصدرها المنتدى الاقتصادي العالمي زيادة اعتماد العديد من الشركات الناشئة على منصات التمويل الجماعي في السنوات الماضية ولتحقق معدل نمو سنوي أكثر من 110 % منذ عام 2010، حيث بلغ الحجم الإجمالي للتمويلات الجماعية حوالي /70/ مليار دولار في عام 2015 وهذا ما يؤكد أهمية هذه المنصات كمصدر للتمويل على مستوى العالم.

ورغم ذلك ما زالت شركات وصناديق رأس المال المُخاطر تستحوذ على نصيب كبير من التمويلات المقدمة للشركات الناشئة عالمياً، ففي عام 2017 قدمت تمويلات بما نحوه /164.4/ مليار دولار للشركات الناشئة بنسبة نمو تقدر بحوالي 49.6 % عن مستويات عام 2016 البالغة /110/ مليارات دولار، واستحوذ السوق الأمريكي على النصيب الأكبر منها بقيمة /71.9/ مليار دولار في عام 2017 مقابل /61.4/ مليار دولار في عام 2016.

3– دعم الشركات الكبرى: اهتمت الشركات الكبرى على غرار “أمازون” و”فيس بوك” و”جنرال إلكتريك” الأمريكية و”سيمنس” الألمانية بتعزيز التعاون مع الشركات الناشئة لتوظيف ابتكاراتها بما يخدم أعمالها، ولقد ظهرت في السنوات الماضية آليات مختلفة للتعاون بين الجانبين، من بينها تقديم الشركات الأم دعماً مالياً وفنياً بشكل مباشر للشركات الناشئة أو عبر حاضنات أعمال أو شركات وصناديق رأسمال مخاطر تابعة لها، وهذا ما يحفظ لها في النهاية حصة من الأسهم في الشركات الناشئة أو يمكنها في نهاية المطاف من الاستحواذ عليها.

4– تزايد القيمة السوقية: تجاوزت القيمة السوقية لبعض الشركات الناشئة مليار دولار أو أكثر في ظاهرة جديدة تعرف بشركات “يوني كورن” ويوجد حالياً نحو /260/ شركة يوني كورن حول العالم بقيمة إجمالية بلغت /840/ مليار دولار حتى آب 2018 وفقاً لشركة “يب بي أنسيت”

واستحوذت شركات برامج وخدمات الإنترنت على 15 % من إجمالي هذه الشركات تليها التجارة الإلكترونية بنسبة 14 %، ثم تكنولوجيا الخدمات المالية بمعدل 12 %  على حين جاءت شركة أوبر الأمريكية للنقل التشاركي في صدارة الشركات الناشئة من حيث القيمة بعد تجاوز قيمتها حوالي /68/ مليار دولار و”ميتوان ديانبينج” بقيمة /30/ مليار دولار.

 تطور أجيال شركات الابتكار

شهد العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين ثورة في مجالات ريادة الأعمال بفضل التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وصعود الجيل الأول من الشركات الناشئة التي ركزت على تزويد الأسواق المحلية بخدمات الإنترنت مثل شركة(AOL)  الأمريكية، إضافة لشركات تطوير المحتوى الإعلامي الرقمي والألعاب الإلكترونية، واعتمد الجيل الثاني على تقديم حزمة من الخدمات الرقمية المبتكرة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لاقت قبولاً واسعاً لدى الأفراد وقطاع الأعمال.

وفي إطار هذا الجيل ظهرت منصات وسائل التواصل الاجتماعي على غرار “فيس بوك” و”تويتر” والتي صارت فيما بعد ضمن قائمة كبريات الشركات العالمية من حيث القيمة السوقية، وإضافة إلى ذلك تم تأسيس العديد من الشركات الناشئة العاملة في مجالات الأمن السبراني والخدمات المالية، والتكنولوجيا الصحية وغيرها، ويتركز نموذج أعمال الجيل الثالث من الشركات الناشئة على تطبيقات التقنيات المتقدمة مثل: “البلوك تشين” والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الروبوتات، وهو ما يرتبط بتوسع الحكومات في الدول المتقدمة والنامية في الإنفاق على البحوث والتطوير.

وتخضع الأجيال الثلاثة السابقة لمراحل نمو تتفاوت بين النضج والاستقرار والاندثار، فالشركات الناشئة العاملة في الخدمات المالية والأمن السيبراني والتكنولوجيا الصحية وغيرها ما زالت تحافظ على مواقعها كمركز اهتمام لرواد الأعمال على مستوى العالم، وتحقق درجة عالية من الاستقرار المالي، وفي المقابل انصرف رواد الأعمال عن تدشين شركات ناشئة جديدة في مجالات مثل: الألعاب والإعلانات والإعلام الرقمي وباتت في طريقها للاندثار، وأصبحت مجالات تقنيات الذكاء الاصطناعي و”البلوك تشين” تستحوذ تدريجياً على اهتمام رواد الأعمال، ومن المتوقع أن تحقق قفزات كبيرة في حجم أعمالها ومبيعاتها في السنوات المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق