آراءمقالات أساسية

بكين ونيودلهي.. صراع محتدم لبسط النفوذ في غرب المحيط الهندي

استطلاع: 94 % من الهنود يشعرون أن على بلادهم امتلاك أقوى سلاح بحري

العالم الاقتصادي- سامر طلاس

يرتبط صعود التنافس الصيني – الهندي في غرب المحيط الهندي بمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، والتي تهدف إلى تعزيز نفوذ بكين في أقاليم العالم المختلفة، بما فيها المنطقة العربية، الأمر الذي أثار هواجس الهند والولايات المتحدة، ودفعهما لتبني سياسات لتحجيم النفوذ الصيني المتصاعد هناك.

ولخوفها من توظيف بكين لما سمته الأولى “دبلوماسية الديون” من أجل تعزيز هيمنتها الاقتصادية ثم العسكرية على الدول النامية في آسيا وإفريقيا، سعت واشنطن لتحجيم النفوذ الصيني المتصاعد سواء في جنوب شرق آسيا أم في غربها وذلك عبر تكوين تحالف مضاد مع كل من استراليا واليابان والهند.

ظل دور الصين والهند على مدار عقود ينحصر في تعزيز علاقاتهما الاقتصادية بدول الخليج العربية، نتيجة اعتمادها في تلبية احتياجاتهما من الطاقة عليها، أو قيام الهند بتصدير عمالتها لها، ولذلك ظلت واشنطن هي الفاعل الأمني الرئيسي والوحيد في منطقة الخليج العربي، لكن هذا الوضع بدأ تدريجياً منذ عام 2010 بسعي كل من الصين والهند لامتلاك حضور مؤثر في منطقة الخليج، نظراً لاعتماد التنمية الاقتصادية في الدولتين على النفط والغاز المستخرجين من المنطقة، ومن ثم فإن الحفاظ على استمرار تدفقهما بات مسألة أمن قومي لكلتيهما، وتعززت هذه الاعتبارات الأمنية بالمصالح الاقتصادية، إذ إن الهند تعد ثاني أكبر مستثمر أجنبي في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد المملكة المتحدة بينما تعد الصين الشريك التجاري الأول للإمارات.

 أولاً: التنافس على الفرص الاستثمارية

تسعى كل من الصين والهند إلى تعزيز علاقاتهما الاقتصادية بدول الخليج العربية، ويلاحظ أن كلتيهما تنظر إلى استثمارات الدولة الأخرى في المنطقة باعتبارها خصماً من نفوذها وحصتها من الموارد، ولذلك سعت الدولتان إلى الدخول في شراكات اقتصادية مع دول المنطقة.

فقد تبنت الهند سياسة “التوجه غرباً” بهدف تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في غرب المحيط الهادي، إذ تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي أكبر شريك تجاري للهند، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين حوالي /104/ مليارات دولار في 2017/2018 وذلك بزيادة 7 % عن العام السابق، وترتبط الهند على سبيل المثال بعلاقات قوية مع السعودية في مجالي التجارة والطاقة، إذ يوجد حوالي /2.8/ مليون عامل هندي في المملكة وحدها، كما إن الهند هي أكبر مستورد للنفط السعودي، فضلاً عن كون السعودية رابع أكبر شريك تجاري للهند.

وازداد التعاون الهندي- الإماراتي في مجال الطاقة، حيث حصلت شركة هندية عاملة في مجال الطاقة مؤخراً على حصة في أحد الحقول النفطية البحرية الرئيسية في أبو ظبي مقابل /600/ مليون دولار أمريكي والتي تعد أول صفقة من نوعها، بينما انضمت شركة أرامكو السعودية إلى أدنوك الإماراتية في الاستثمار المشترك في مصفاة راتناجيري للتكرير والبتروكيماويات بقيمة /44/ مليار دولار في ولاية ماهاراشترا الهندية.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجري في عام 2013 أن 94 % من الهنود يشعرون أن على بلادهم أن تمتلك أقوى سلاح بحري في المحيط الهندي وأن 89 % يعتقدون ضرورة قيام نيودلهي بلعب دور أكبر في تعزيز أمن المنطقة، وخاصة أمن الممرات البحرية التي تربط بين الهند والخليج، وذلك للحفاظ على معدلات نموها الاقتصادي.

وفي المقابل تلعب منطقة الخليج دوراً مركزياً في مبادرة الحزام والطريق الصينية والتي تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي، عن طريق تعزيز التجارة والاستثمار بين الدول المشاركة في المشروع في آسيا وأوروبا وإفريقيا، عبر الاستثمار في مشروعات البنية التحتية خاصة الممرات التجارية البرية والبحرية والجوية.

وتنظر بكين إلى المنطقة العربية باعتبارها جزءاً من طرق التجارة التي تسعى إلى الوجود فيها وتأمينها، ففي عام 2017 وقعت الصين والمملكة العربية السعودية /60/ اتفاقية ومذكرة تفاهم تبلغ قيمتها ما يقارب من /70/ مليار دولار، والتي غطت مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة والاتصالات ووسائل الإعلام، كما وقعت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا اتفاقية شراكة في أوائل عام 2017 مع شركة “الصين لعلوم وتكنولوجيا الفضاء” لتأسيس أول مصنع للدرونز العسكرية الصينية في المنطقة العربية، ما يوضح تصاعد الدور الأمني للصين في المنطقة، وعدم اقتصاره على الأبعاد الاقتصادية.

كما حرصت الصين على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الإمارات العربية المتحدة وبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدولتين /53.5/ مليار دولار أمريكي في عام 2017 بزيادة مقدارها 15 % عن العام السابق عليه، ووقعت موانئ أبو ظبي عقداً لمدة 50 عاماً مع شركة الاستثمار والتعاون وراء البحار لمقاطعة جيانغسو المحدودة، وذلك لإقامة مشروعات داخل منطقة التجارة الحرة لميناء خليفة.

ثانياً: تضارب المشاريع الهندية – الصينية

رغم صعود دور نيودلهي وبكين في منطقة الخليج العربي فإن هناك تضارباً بينهما، ويبرز التنافس الهندي الصيني واضحاً في إيران، إذ تسعى الصين للاستثمار في كل من ميناء جوادر الباكستاني وميناء تشابهار الإيراني وميناء الدقم العماني، وربطها ببعض وهو الأمر الذي يثير قلق نيودلهي، ويرجع ذلك إلى عدد من الأسباب أولاً تبني نيودلهي مشروعاً منافساً لمبادرة الحزام والطريق الصينية في هذه المنطقة والذي يتمثل في “ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي”، وهو عبارة عن شبكة طرق بحرية وبرية وسكك حديدية تربط بين الهند وأوروبا مروراً بإيران ودول الخليج العربية وآسيا الوسطى وروسيا، وبالتالي فإن كلاً من المبادرة الصينية والممر الهندي سيتقاطعان في منطقة الخليج ووسط آسيا ولا يبدو أن الدولتين على استعداد لتنسيق مشاريعهما في هذه المنطقة.

وتتخوف الهند من أن تستغل الصين استثماراتها الاقتصادية في ميناء جوادر الباكستاني من أجل الضغط على إسلام أباد لبناء قاعدة عسكرية هناك، فضلاً عن اتباع السياسة نفسها تجاه موانئ ميانمار وبنغلاديش وسريلانكا، وتنظر الهند إلى أي وجود صيني هناك ولو اقتصادياً، بمنزلة تقويض لنفوذها في المحيط الهندي، وخاصة أن طهران بدأت في الضغط على الهند لتسريع استثماراتها في إيران من خلال ترحيب وزير الخارجية الإيراني في آذار 2018 بالاستثمارات الصينية والباكستانية في ميناء تشابهار.

وتسعى الصين من جهتها لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز عبر الاعتماد على ممرات تجارية بديلة عن مضيق ملقا، وذلك من خلال الاستثمار في مشاريع مثل “الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني” والذي يهدف إلى استيراد النفط والغاز من منطقة الخليج العربي ونقله عبر بحر العرب إلى ميناء جوادر الباكستاني، ثم يتم نقله براً عبر باكستان إلى الصين مباشرة بدلأ من أن يعبر بحر العرب من خلال المحيط الهندي، ومن ثم إلى بحر الصين الجنوبي، ويمثل هذا الأمر تهديداً للهند وخاصة أنه سوف يعزز من وضع باكستان اقتصادياً، العدو الرئيسي لنيودلهي في جنوب آسيا.

وتخشى الهند أن تستغل الصين هذا الميناء الباكستاني كقاعدة لدعم عمليات القوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي، وبالتالي ترى الهند أن أي محاولة صينية  للربط بين جوادار وتشابهار لا تحكم قبضة الصين على المنطقة فحسب؛ بل تقوي موقف باكستان في مواجهتها، لذا فإن تنامي الوجود الصيني في الخليج يزيد من الأهمية الإستراتيجية للمنطقة للهند ويدفعها إلى مواجهة النفوذ الصيني، وضمان عدم سيطرة بكين على ممرات الطاقة أو الوجود بالقرب منها بما يمثل تهديداً لمصالحها.

وفي مواجهة الصعود العسكري الصيني في المنطقة، أصدرت نيودلهي عقيدة بحرية في عام 2009 تحتاط فيها من نشاط البحرية الصينية في غرب المحيط الهندي، وتركز على أهمية تأمين نقاط الاختناق، مثل مضيق هرمز باستخدام كل الأدوات المتاحة وصولاً إلى استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر.

ثالثاً: المتغير الأمريكي في الصراع

تدرك واشنطن أهمية شراكاتها الوثيقة مع دول الخليج العربية، ومن غير الوارد أن تضحي بهذا الدور لمصلحة الصين، وإذا كان تصاعد القوة العسكرية الصينية في غرب المحيط الهادئ قد يترك تأثيراً في التوازنات الإقليمية فيها؛ فإن تأثيرها  في منطقة الخليج لا يزال محدوداً خاصة مع تمركز الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، فضلاً عن احتفاظ واشنطن بحوالي /30/ ألف جندي في منطقة الخليج.

ولا تكتفي الولايات المتحدة بدعم نفوذها في منطقة الخليج، بل عملت على دعم الهند في صراعها ضد النفوذ الصيني، ولعل المثل الواضح في هذا الإطار استثناء تطوير ميناء تشابهار الإيراني الذي تشارك فيه كل من الهند وأفغانستان من العقوبات الأمريكية، نظراً لأنه يربط الهند بأفغانستان ودول آسيا الوسطى، من دون المرور بباكستان، فضلاً عن أنه يسمح للهند بمنافسة المشاريع الصينية في باكستان، وهو  أمر يكشف حرص واشنطن على تطويق النفوذ الصيني في المنطقة بمساعدة من حلفائها الذين يتشاركون معها المخاوف نفسها حيال الصين.

رابعاً: محدودية فرص التوافق

رغم تصاعد الدور الصيني في غرب المحيط الهندي، فإن العديد من المحللين لا يعتبرونه مصدر تهديد، ويرجعون ذلك إلى حقيقة أن علاقات الصين المتنامية مع الدول العربية والدول الأخرى هي علاقات قائمة على الشراكة، ولا تهدف إلى تشكيل تحالفات سياسية أو عسكرية خاصة مع حرص بكين على التركيز على تحقيق التنمية الاقتصادية وتجاهل الخلافات الجيوإستراتيجية بين الدول المتصارعة في أقاليم الدول المختلفة.

لا يجب تجاهل أن التنافس الإستراتيجي بين الهند والصين في المنطقة هو أمر حتمي، نظراً لتبنيهما التكتيكات والأساليب نفسها في محاولتهما لاستقطاب الدول الأخرى للانضمام إلى مشاريعهما المتنافسة، ويمكننا القول: إن تصاعد التنافس بين الهند والصين، سوف يدفعهما إلى تعزيز وجودهما العسكري في غرب المحيط الهندي لدعم مصالحهما الاقتصادية، الأمر الذي يثير المخاوف من زيادة التوتر بينهما، على نحو يزيد من تنافسهما على استقطاب الدول النامية إلى تحالفاتهما المعادية للطرف الآخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق