افتتاحية

المنظومة العربية للتعليم العالي والبحث العلمي والدور المنتظر

أكثرية الدول العربية تسعى للنهوض بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي وربطها بخطط التنمية

بقلم: أ.د. طارق عفاش

لا شك أن العلم والتكنولوجيا يعتبران من أهم العوامل التي ساهمت في نمو وتطور الحضارة الإنسانية، وقد تعاظم دورهما في القرن الحادي والعشرين نتيجة الاكتشافات العلمية المتسارعة وتطبيقاتها التكنولوجية المختلفة.

وتعتبر منظومة التعليم العالي من جامعات ومراكز أبحاث المركز الرئيس للنشاط العلمي والتكنولوجي فهي من ينشر وينتج ويطبق المعرفة، وقد أصبح الاهتمام بهذه المنظومة أولوية من أولويات مختلف الدول، حيث أدركت هذه الدول أن مستقبلها مرهون بجودة التعليم والإعداد الأمثل للكوادر البشرية وقدرتها على الإنتاج والاستعمال الأمثل للمعرفة، ويتجاوز عمر نموذج التعليم الحالي ألف عام، حيث ظهر أولاً في المدن العربية في القرن الثامن مثل دمشق وبغداد والقاهرة.

أما أول جامعة بالمعنى الحديث تمارس مهنة التعليم والبحث العلمي، فقد أسسها “فون هومبولت” في ألمانيا في العقد الأول من القرن التاسع عشر “جامعة برلين”، وسرعان ما انتشر هذا النموذج في العالم ، أما في الوطن العربي فقد ظهر هذا النموذج أولاً في لبنان حيث تم تأسيس الجامعة الأمريكية الخاصة عام 1866م، كما تم تأسيس جامعة دمشق عام 1903م أول جامعة حكومية وجامعة القاهرة عام 1908م.

ومع بداية النهضة العربية في القرن التاسع عشر أدرك العرب أهمية العلم والبحث العلمي في العصر الحديث وحاولوا جاهدين امتلاك ناصيتهما واستعادة دورهم الذي عرفوا به تاريخياً كصناع للحضارة ورواد للمعرفة، قبل أن يدخلوا مرحلة الانحطاط التي ما زلنا نعاني إلى اليوم آثارها.

ورغم الجهود التي بذلت، غير أن النتائج كانت دون الطموحات والإمكانيات، حيث إن الدول العربية ما زالت تعاني التأخر العلمي والتكنولوجي، ومازال الإنتاج العلمي العربي هامشياً، حيث يقل نصيب العرب من النشر العلمي العالمي عن 1 % مقارنة بأكثر من 5 % من حيث نصيبهم من سكان العالم، ورغم أن المنطقة العربية تعدّ أغنى منطقة نامية؛ فإن متوسط الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير في الدول العربية لا يتعدى 1 % من مجمل الناتج القومي العربي، وهي نسبة متدنية كثيراً عن المتوسط العالمي الذي يبلغ 2 %، أما بالنسبة إلى براءات الاختراع فإن نصيب العرب لا يكاد يذكر، إضافة إلى ذلك، لا نجد مراكز متقدمة للجامعات العربية في التصنيفات العالمية للجامعات.

إن هذا الواقع لا يعني عدم وجود بعض الإيجابيات من حيث التوسع الكمي المطرد الذي تحقق في القرن العشرين في جميع الدول العربية، كما لا يعني عدم وجود باحثين عرب في الوطن العربي أو خارجه حققوا نتائج علمية باهرة، ولكنه يعكس بالضرورة وجود صعوبات تعيق الباحث العربي عن المساهمة في إثراء المعرفة البشرية.

لا شك أن تعثر النهضة العربية له أسباب عديدة وعلى رأسها الصهيونية والامبريالية، غير أن هناك أسباباً ذاتية أيضاً ساهمت باستمرار التخلف العربي، لا بد من التوقف عندها ومعالجتها، ومن بينها قصور وضعف أداء منظومة التعليم العالي والبحث العلمي وعجزها عن إنتاج المعرفة واستخدامها بصورة فعّالة في معالجة مختلف المشكلات التي تعاني منها الدول العربية، وقد انعكس ذلك على أداء الاقتصادات العربية حيث إن أداءها كان الأدنى بين مجموعة البلدان النامية.

والسؤال الملح هنا هو: كيف يمكن إحداث تغيير جوهري في دور وأداء منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، لكي تتمكن من المساهمة الفعالة في تقدم عملية التنمية وإخراج الاقتصاد العربي من عثراته، وللإجابة عن هذا السؤال يمكننا الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة والناشئة، ومن الملاحظ هنا أن هناك قواسم مشتركة في نجاح تجارب هذه الدول من أهمها:

أولاً: لقد لعبت حكومات هذه الدول دوراً مركزياً في خلق البيئة المناسبة لتطوير التعليم كماً ونوعاً، وفي بناء قاعدة علمية وتكنولوجية رفيعة التأهيل قادرة على رفد مؤسسات الإنتاج والخدمات المختلفة بما تحتاجه من معارف بغرض تحسين أدائها في إطار التنافس العالمي.

ثانياً: الربط بين احتياجات مؤسسات الإنتاج والخدمات من جهة، ومن جهة أخرى أهداف وأنشطة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، ومن جهة ثالثة خطط التنمية بما يحقق التكامل بين هذه الأطراف للوصول إلى الأهداف المرجوة.

ثالثاً: توفير الحوافز لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في تمويل وتنفيذ أنشطة البحث والتطوير لضمان جودة وتفوق منتجاته ونمو أسواقه العالمية.

وفي النتيجة، وإن كانت حصيلة الإنجازات في الدول العربية في المجال العلمي والتكنولوجي لم تكن في مستوى الطموحات والإمكانات، غير أن هناك  مؤشرات إيجابية تسمح لنا بالتفاؤل من أبرزها تنامي القناعة لدى الجميع بالأهمية المتزايدة لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي كقاعدة رئيسة للتنمية المستدامة، حيث تسعى أكثرية الدول العربية إلى وضع إستراتيجيات تهدف إلى النهوض بها وربطها بخطط التنمية.

ويبقى الأمل معقوداً على العاملين في هذه المنظومة من باحثين وإداريين للنهوض بما هو مطلوب منهم مهما كانت الصعوبات والمعوقات فالقضية هنا هي: أن نكون أو لا نكون.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق