آراءمقالات أساسية

الحرب التجارية الأميركية – الصينية.. ومستقبل التجارة الدولية

الصينيون: لو ذهبت الحروب التجارية بعيداً فقد تحدث أزمة مالية عالمية شاملة

بقلم: الدكتور وائل عفاش

لا شك أن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة هي نتاج تطورات تاريخية طويلة الأجل منها ما يتعلق بالمنافسة المحتملة بين الصين والولايات المتحدة للهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية على العالم، ومنها ما يتعلق بصعود ظواهر الشعبوية والانعزالية والحمائية في العالم بشكل عام وداخل الولايات المتحدة بشكل خاص.

وحيث أنه ينبغي لكل إمبراطورية  ناجحة أن تضع خطاباً عالمياً عقلانياً شاملاً لكي تكتسب الدعم والولاء من الدول التابعة لها في العالم وقادتها، وهذه المقولة تنطبق تماماً على النزاع القائم بين واشنطن وبكين في عهد الرئيسين “ترامب” و”شي” فخلال فترة وجيزة من دخول ترامب إلى البيت الأبيض، شهد العالم خصومة فعلية حادة تبنى فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ لشكل جديد من التعاون العالمي في إطار(مبادرة الحزام والطريق) في مواجهة ترامب ونظريته “القومية الاقتصادية” التي ترفض النهج التعاوني الصيني، ومن الواضح هنا أن الهدف الإستراتيجي الطويل الأجل لإدارة ترامب في هذه الحرب التجارية هو تضييق الخناق على الاقتصاد الصيني لمصلحة الولايات المتحدة، من خلال فرض تعريفة متزايدة على المنتجات الصينية، وبالنتيجة سوف يعاني الصينيون خسائر في إجمالي الناتج المحلي وما إلى ذلك فيما يتعلق بتراجع سوق التصدير.

وفي سياق التضييق الأمريكي على بكين اتهمت وزارة العدل الأمريكية شركة (هواوي) الصينية للاتصالات بسرقة أسرار تجارية من شركائها الأمريكيين، وتقدم مشرعون أمريكيون بمشروع قانون يحظر تصدير قطع الغيار والمكونات عالية التكنولوجيا الأمريكية إلى شركات الاتصالات الصينية، وساقت الإدارة الأمريكية أسباباً عديدة تبرر فرض رسومها الجمركية على الواردات من الصين هي:

1- ما تعده واشنطن “عدوان” الصين على حقوق الملكية الفكرية، حيث تدعى الولايات المتحدة أنها تتعرض لخسارة تبلغ مئات الملايين من الدولارات سنوياً نتيجة لتغاضي الصين عن التعدي على الحقوق الفكرية للمنتجات الأمريكية.

2- معاملة الصين بالمثل، إذ تفرض الصين جمارك بنسبة 25% حسب قول الرئيس الأمريكي على السيارات الأمريكية.

3- ما تسميه واشنطن “تلاعب” الصين بأسعار العملة المحلية (اليوان) كي تبقيها متدنية أمام الدولار الأمريكي وهو ما يجعل قدرة الصين التنافسية على التصدير أكبر.

4- تريد واشنطن تعديل الميزان التجاري بين البلدين الذي يميل بشدة نحو الصين، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بينهما قرابة 800 مليار دولار ويبلغ مقدار العجز التجاري لمصلحة الصين نحو 375 مليار دولار.

ومن الواضح هنا أن هناك إجماعاً لدى الإدارة الأمريكية على أن الصين استفادت من الاقتصاد الأمريكي لسنوات، وتوضح التحركات الأخيرة لواشنطن أنها تسعى إلى دفع الصين إلى تعديل بعض قوانينها التجارية مقابل إعفاء جمركي من الولايات المتحدة، وتجنب خفض التبادل التجاري بينهما إذ سيؤدي ذلك إلى تعطل الاقتصاد العالمي وسيزيد من أعباء المستهلكين والمستوردين في الولايات المتحدة وهذه النقطة الأخيرة هي الرؤية السائدة داخل إدارة ترامب.

وفيما يتعلق بالرؤية الصينية للحرب التجارية مع واشنطن تعتقد حكومة بكين أن الطريقة التي اتبعتها واشنطن للضغط عليها يمكن أن تضر بالأسواق العالمية وتضر أكثر بالعلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، ولذا ستعمل الصين على إدارة تجارتها بهدوء أكثر، فلديها قدرة إنتاج محلية كبيرة فليست هناك حاجة للاستيراد من واشنطن، ويمكن تلبية كل الطلب الداخلي عن طريق الإنتاج المحلي الصيني.

ويرى محللون صينيون أن الحملة الأمريكية تعد جزءاً من حرب تجارية بدأها الرئيس دونالد ترامب عندما دعا إلى زيادة التصنيع على الأراضي الامريكية، وفرض رسوم عالية على البضائع الصينية لمواجهة المنافس الصيني، ويرى المحللون الصينيون أن الإجراءات الأمريكية تهدف لدعم الشركات الأمريكية المصنّعة ومن أهمها: شركة أبل (المنتجة لهواتف آيفون) بعد تراجعها للمركز الثالث عالمياً خلف الشركات الصينية، وهناك مخاوف أمريكية من هيمنة الصينيين على تقنية اتصالات الجيل الخامس.

ومن الواضح هنا أن مشكلة ترامب مع الصين هي عدم إمكانية حصوله على ما يريد بشأن تحقيق انخفاض فوري وكبير في العجز التجاري الأمريكي مع الصين، فمن المحتمل أن يحصل ترامب على بعض الضمانات لشراء المزيد من الصادرات الأمريكية من قبل الصين، مثلاً عقود جديدة لشركة بيونج لتزويد سوق الطيران التجاري الكبير والمتنامى في الصين، لكن ذلك لن يغير الواقع البنيوي الأساسي الذي يدفع الاختلال التجاري الهائل، فالشعب الصيني يدخر أكثر بكثير من الأمريكيين ويستهلك الأمريكيون أكثر بكثير من الصينيين.

كما يرى الصينيون أن لو ذهبت الحروب التجارية بعيداً، فقد يحدث انهيار جديد في البورصات وأزمة مالية عالمية شاملة، كما حدث في عام 2008، ومع ذلك فإن الخطر الرئيسي هو (الانهيار المحتمل لنظام الدولار نفسه) وقد قام ترامب نفسه بالخطوة الأولى نحو ذلك بإجراءاته الأخيرة ضد الصين وروسيا، ما يعني التسبب في تأثيرات لاحقة في البورصات العالمية وسوق العملات إلى جانب زيادة التضخم العالمي الذي أصبح مفتوحاً على بعضه في ظل عولمة اقتصادية وتجارية واسعة وهناك بنوك مركزية رئيسية على مستوى العالم، تعمل في ظل خطوط ائتمانية مفتوحة وغير محدودة وتنسق فيما بينها، لمنع حدوث تغييرات غير قابلة للسيطرة على أسعار صرف العملات.

وقد دفعت الحرب التجارية الصينية – الأمريكية جاك ما، مؤسس مجموعة “علي بابا” العملاقة للتجارة الإلكترونية إلى التخلي عن وعده بتأمين مليون وظيفة في الولايات المتحدة بحسب مقابلة أجراها معه الإعلام الرسمي الصيني، وقال “ما” لوكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية: هذا الوعد كان يستند إلى شرطين مسبقين، تعاون ودي بين الصين والولايات المتحدة، وتجارة ثنائية عقلانية وموضوعية وأضاف إن الوضع الراهن يهدد هذين الشرطين ويجعل الوفاء بهذا الالتزام مستحيلاً، بدورها أعلنت منظمة التجارة العالمية أن الإجراءات الأمريكية غير قانونية، ما أغضب واشنطن عليها، فأعلنت أنها ستعاقب المنظمة، واتهمتها بعدم الفاعلية، وفي النتيجة يمكن القول  إنه من الممكن أن تنتعش الأسواق بمرور الوقت، لكن هذه المؤشرات الأولية هي بالتأكيد علامة على تزايد القلق في جميع أنحاء العالم من أن الحرب التجارية الأميركية – الصينية ستؤذي الاقتصاد العالمي، ويشير تقرير صدر في شهر نيسان 2019 من صندوق النقد الدولي صراحة إلى أن الخلاف سيؤدي إلى فقدان الوظائف في كلا البلدين.

وحول السيناريوهات المستقبلية بين بكين وواشنطن واحتمال نشوب حرب تجارية شاملة فإن هذا السيناريو مرجح إذا قرر الرئيسان ترامب و”شي” أن التفاوض ليس خياراً ناجحاً وتصاعدت الحواجز الجمركية بما يجعل من المستحيل على الشركات الصينية القيام بأعمال تجارية في الولايات المتحدة، والعكس فقد ترفع الرسوم الجمركية المرتفعة التكاليف للموردين والمصنعين وتجار التجزئة والمستهلكين، وبالتالي ترتفع الأسعار ويقل الإنتاج وتتراجع هوامش الربح وتتوقف الشركات عن العمل وتضيع الوظائف، وحينئذ تبدأ الصين في الاستثمار بقوة في علاقاتها السوقية مع أوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وستفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه، حيث ستسعى الشركات الأمريكية إلى تحويل نظامها لسلسلة التوريد من الصين إلى جنوب شرق آسيا جزئياً أو كلياً، وستكون هذه الحرب مكلفة للغاية ومزعزعة للاستقرار في العلاقات الدولية.

لكن الاحتمال الأقرب هو أن تكون هناك جولة جديدة من التفاوض بين الصين والولايات المتحدة قد يتفق فيها الطرفان على تنازلات متبادلة، حيث ستتوصل الحكومتان إلى آلية بشأن الوصول إلى الأسواق الثنائية وتأمين حقوق الملكية الفكرية ومساحة أكبر للقطاع الخاص في الصين وشفافية تنظيمية وجمركية أكبر، وسيطلب البلدان ضمانات ضد المواجهة التجارية المستقبلية.

 وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد أنشأت حقائق جديدة في العلاقات التجارية الدولية، أبرزها المخاطر الشاملة التي ستواجهها الشركات المتعددة الجنسية والكبرى نتيجة لهذه الحروب التجارية، حيث سيتعرض استقرارها وأمنها المالي للتهديد المستمر لذلك ستحتاج هذه الشركات إلى مراقبة التطورات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية عن كثب، وستجد نفسها مضطرة إلى إنشاء أنظمة داخلية تستجيب لهذه المخاطر بشكل استباقي.

لذا يبدو من الضرورة أن يكون هناك اتفاقيات دولية جديدة تصلح لبعض قواعد منظمة التجارة العالمية وتجعلها أكثر عدالة وخاصة تلك المتعلقة بالبلدان النامية التي تحد من عمليات نقل التكنولوجيا، فهذا هو السبيل الوحيد لإيجاد حل إيجابي للأزمة التي تمر بها التجارة الدولية اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق